الأحد، 7 يونيو 2015

تفاهم عون نصرالله على المحك




كل الذين لهم علاقة مباشرة بالسياسة في لبنان يعرفون انه لا امل لجعجع بالرئاسة . وفي الظرف الحالي وبالشروط الموجودة لا يمكن ان يصل عون الى بعبدا . يمكن تتغير الظروف ( عون يراهن على ذلك في شكل عام وعلى حليفه حزب الله خاصة  ) ويصبح عون اقل الاسوء . هذه استراتيجية عون : الامر الواقع . في هذا السياق يندرج تصعيده في عرسال . هنا يطرح السؤال : ما هو أهداف الحوار بين عون وجعجع ؟ ما هي خلفية كل منهما ؟ وما هو الرهان ؟  

نغمة خفض التوتر بين العدوين اللدودين لا يمكن الاخذ بها . لا يوجد في السياسة حوار يهدف فقط لخفض التوتر الا اذا كان خفض التوتر هو لصالح الفريقين في سبيل تمرير الوقت وشرائه حتى تتلائم شروط  للانقضاض على الغريم او تحسين شروط التفاوض . قد يكون ذلك هدف عون الذي ينتظر من حليفه تغير الظرف السياسي . عون مازال يرى حزب الله مترددا ، وينسبها الى استراتيجية مختلفة جذريا عن استراتيجيته وتابعة لايران ببعدها الاقليمي الاساسي . ولكن ما هي مصلحة جعجع وهدفه ؟

يعرف جعجع قبل غيره انه لن يصل الى الرئاسة مهما صارت الظروف . وهو فعلا لاينتظر تغير الظروف والشروط التي قد تسمح بإعتلائه كرسي الرئاسة . فقد حصل الى اقصى ما يمكن الوصول اليه وهو الاعتراف به زعيما لبنانيا محليا وعربيا ، مقبولا من الغالبية السنية .
 
ويعرف جعجع ان عون يختلف عنه نفسيا وثقافيا ، لانه اقرب الى شخصية ديكتاتور فيما يخص رغبته الجامحة للسيطرة والزعامة المطلقة . عون من نوعية انا او الجحيم . هذا يعرفه جعجع من زمان من ايام الحروب العبثية . لذلك لا يمكن ادراج الحوار بين الطرفين في اطار خفض التوتر فقط ، على الاقل من وجهة نظر جعجع .
اذن ماذا يهدف زعيم القوات من الحوار ؟

بعد مرافقة هذا الحوار ، ومقارنة مختلف تصريحات الفرقاء حول جولات الحوار نلاحظ اختلاف ملحوظ بين عون وجعجع . الاول تمسك بالوصول الى ورقة تفاهم التي كان هدفها في المرحلة السابقة هدنة توقف الاستنزاف الحاصل في شعبيته وتعطيه مساحة اكبر للمناورة من دون ان يتلقى ضربات من طرف مسيحي ، من جعجع الذي سيكون مضطر ومرغم على التهدئة . وستبقى المواجهة مع السنة وقيادتها ، المواجهة التي حفظت له باستمرار شعبية مسيحية التزمت معه منذ خروج السوريين والحلف الرباعي .

جعجع اراد خفض التوتر بداية كمحطة لحوار اوسع داخل الصف المسيحي للوصول اذا استمر الحوار الى نقاش حول ثوابت وطنية من وجهة نظر مسيحية . مازال جعجع منطقي مع نفسه وتاريخة . اي انه يربط بين افكاره وممارسته السياسية من منظور ضرورة مسيحية لبنانية .  عندما صرح جعجع بانه يقبل التخلي عن ترشيحه اذا كان هناك مرشح يلتزم بافكاره وبرنامجه كان يريد التأكيد على ذلك ، وانه مع اي مرشح ، بما في ذلك عون ، بشرط وجود مشروع وبرنامج تلتقي عليه مسيحيا . يريد جعجع الوصول الى اتفاق مع عون يضبط هذا الاخير بمشروع . 

مازال جعجع على هذا الموقف  ، يرغب فعلا بحصول قطيعة ما بين عون وحزب الله وكله قناعة بأن زعيم التيار وصل في النهاية  الى قناعة بان ورقة التفاهم بينه وبين نصرالله لم تستوف اهدافه وخدمت فقط حزب الله حتى الان . اي ان العلاقة بين الطرفين لم تكن متوازنة . عندما يقول عون انه لن يرضى مرة اخرى مثل ما جرى في عام ٢٠٠٧ بتقديم تنازلات فهذا يعني ان للتوافق مع حزب الله حدود . 

ان قبول عون بالمنافسة بينه وبين جعجع فقط ، ومطالبته بسحب ترشيح هنري حلو ، يعني انه بات الان قاب قوسين من القبول بصفقة ما مع جعجع حول المرحلة المقبلة ( تخطى عون اهداف المرحلة السابقة واقتراحاته الربعة ليست اكثر من مناورة ) لكنه يتردد امام ضغوط حليفه نصرالله ويطلب من حزب الله موقفا : اللقاء الاخير لم يخرج بنتيجة  . مزايدات عون تجاه عرسال وجرودها محاولة لوضع التصعيد في اطار سياسي لعون دور به .

لا شك بان حزب الله محرج كما هو الحال بالنسبة الى عون ، ويزداد هذا الاحراج مع وصول تسريبات عن رفع الفيتو علىى تعيين شامل روكز قائدا للجيش ( ربما لم يكن هناك فيتو ) . حزب الله يريد استمرار الازمة والفراغ في ظروف التحولات على الارض في سوريا . ولكن عون يرى من هذه التحولات ظرفا لتحقيق اهدافه والاستفادة منه . من المؤكد ان الحزب ليس في هذا الوارد . 

السعودية وايران والمواجهة الاعلامية السياسية




في اطار المواجهة الحالية بين المملكة العربية السعودية وايران ، وهي مواجهة اقليمية شرق اوسطية ، تظهر المسألة الاعلامية ـ الايديولوجية مهمة استراتيجيا للتعبير والتعبئة والحشد والتبرير . 
ايرانيا ، مازال الخطاب الرسمي والاعلامي الايراني ، خطاب معمم على صعيد القوى الحليفة في منظومة ولي الفقيه ، يستعمل الفاظ ترجع الى فترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ، وتركز في شكل اساسي على العدو المتمثل باميركا باضافة اسرائيل عند البلدان العربية ، وهي شعارات استعملت في البلدان الحليفة لموسكو اوالمنضوية في ما سمي منظومة العالم الثالث . 
تريد طهران وراثة زعامة هذه الحقبة مع رغبة خاصة بان يولد عنها زعامة توفي بحق ولي الفقيه للعالم الاسلامي . حلم طهران لا شك ! 
لكن في الوقت ذاته تفضل طهران هذه الشعارات ،" الموت لاميريكا ، الموت لاسرائيل " ، كي تغطي ، بل كي تقبع ، فكرة التمدد الفارسي ، اي فكرة المواجهة العربية الفارسية ، التي قد تظهر على السطح ، وهي التي برزت ابان الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات ، والتي كان مرجعيتها الايديولوجية من قبل بغداد معركة القادسية. 
ايران تريد ايضا عدم الانذلاق الى حرب مذهبية تكون احدى نتائجها تقوية الحلف المضاض وتوسيع المواجهة على اكبر عدد ممكن من الدول لتشمل بلدان خارج منطقة الشرق الاوسط ، منطقة الصراع على النفوذ . هذالا يعني عدم اعتماد المذهبية كلوجيستيك ، انما العمل على جعله اداة تنظيمية لتحالفات محلية تكون بمثابة رافعة لسياسة ايرانية توسعية .
سعوديا ، وعربيا فيما يخص القوى المواجهة للتمدد الايراني ، تبرز اشكالية الخطاب السياسي الايديولوجي الاعلامي في صعوبة اعتماد لغة معبئة من دون ان يكون لها نتائج سلبية على تركيبة البلدان . كل بلدان الشرق الاوسط ، خارج مصر ، تركيبتها السكانية تعرف نسبة اندماج وطني ضعيف ، تواكب ضعف الانتماء الوطني بسبب غياب عوامل تقافية وطنية متميزة جامعة في اطار منظومة سياسية تسمح بالحريات العامة . 
في مواجهة ايران تم اعتماد استراتيجية اعلامية عنوانها " لا للفتنة " اي لا للمذهبية وتفتيت " الامة " . بمعنى آخر تم تحميل المسؤولية لايران ، في اطار هجومي استراتيجي . عدم وضوح هذا النوع من الاعلام وعموميته سمح من جهة في ايجاد حيز للقوى المتطرفة وتوسعها على حساب السلطة المركزية ، داعش واخواتها مثل على ذلك ، وهي ظاهرة تهدد الاستقرار في معظم الدول التي تواجه ايران .
ليس لصالح السعودية خاصة والبلدان العربية عامة تحويل الصراع مع ايران الى صراع مذهبي لانه يزعزع الكيانات ويسمح لايران بتوسيع خيارتها الى جانب امكانية تمزق الكيانات السياسية . 

محورة الصراع حول عنوان " عربي فارسي " ، برغم طابعه القومي الاكثر ميلا للعنصري ،كونه صراع مزمن ، يبقى اقل خطرا على الكيانات السياسية ، برغم ان الوضع الحالي بات شفافا لدرجة ان مذهبية الصراع باتت واضحة للعامة ولا تتحمل الجدل لدى اصحاب الرأي . 
هذا لا يعني ان نتائج هذا التمحور للصراع حول العربي ـ الفارسي سيكون اكثر نجاحا لتحقيق النتائج المتوخات . اذ ان التغيرات التي تحدث على صعيد موازين القوى لها ايضا نتائج تتعدى استراتيجيات الاطراف . عاصفة الحزم مثلا اعطت دفعا للمشاعر المذهبية لدى قيادات ايرانية وحلفاء طهران على حساب المشاعر القومية ، بينما كانت المشاعر العربية خليط بين المذهبي لدى البعض والقومي ، الى ان هيمنت الان عند العرب المؤيدين لعاصفة الحزم المشاعر القومية .
التركيز حاليا لدى المملكة السعودية على البعد العربي يندرج في اطار استراتيجية استقطاب يعطي للمملكة مركزية زعامة عربية لحلف في طور التبلور في وجه الطموحات الايرانية . وهوالامر الذي في النتيجة يضيق هامش تحرك ايران .