السبت، 26 ديسمبر 2015

موسكو ولعبة الهاوية

تهيمن حاليا نظرة تحليلية مؤامرتية على مخابراتية حول  الوضع السوري ، الدائم التغير والمتجدد . قد يلعب دورا في ذلك عدم وضوح في استراتيجية روسيا . كما يعزز ذلك  المركزية المطلقة للقرار في يد بوتين صاحب القرار النهائي ، كما هو واضح لغالبية متابعي الوضعي الروسي . يقول التحليل المهيمن ان هناك اكثر من تقاطع بين مصالح اسرائيل وروسيا في سوريا  ، بل قد يوجد نوع من التحالف غير المعلن تجاه ما يجب ان يستقر عليه الوضع السوري . مثل هذه النظرة هي المعتمدة اليوم لتفسير كيفية استرشاد موسكو الى مقر اجتماع قيادات " جيش الاسلام " بحضور زعيم التنظيم ، زهران علوش ، الرجل الاكثر جدلا بين جميع اطراف المعارضة السورية ، وهو الذي يمسك بقوته التنظيمية والعسكرية ريف دمشق ، والغوطة بالتحديد ، والمحسوب ، من دون اي تفصيل ، على المملكة العربية السعودية .
 
يقول التحليل ان موسكو استدلت الى اجتماع قادة " جيش الاسلام " عبر المخابرات الاسرائلية ، في اطار تبادل مصلحي ، القنطار مقابل علوش ! . خارج السياق الزمني للحادثتين ، ليس هناك اي دليل على صحة هذه المعادلة ، التي لاشك ، كما تجري العادة ، انها تفي بالحاجة  لتفسير ما حصل . القنطار مقابل علوش ؟ معادلة لا معنى لها اذا اخذنا في الاعتبار حجم الشخصيتين على الساحة السياسية والعسكرية ، هذا اولا ، وثانيا ، علوش بموقعه السياسي والعسكري وبقدراته في موقع جغرافي استراتيجي له اهمية خارج سياق العلاقة الاسرائلية الروسية . علوش قائد لقوى عسكرية لها ثقلها  في موازين القوى بين المعارضة السورية والنظام . تزداد اهميته حاليا في اجواء المفاوضات لايجاذ حل سياسي للازمة السورية ، وتتعزز كونه محسوب على السعودية .

لا شك ان اغتيال علوش من قبل موسكو مبني على معلومات دقيقة ، نتيجة اختراقات امنية ، كانت متوقعة منه بسبب كثرة العداءات . هذه الشخصية جمعت الكثير من التناقضات التي غالبا ما انهكت المعارضة واقطابها . شخصية معروفة في محيطها المباشر في مدينة دوما  ، ابن للشيخ عبدالله علوش ، احد اوجه السلفية في الغوطة الشرقية . هكذا ترعع زهران في بيت متدين سلفي ، وهكذا ورث عن ابيه موقعه بعد دراسة الشريعة في دمشق والمملكة العربي السعودية . نشاطه الدعوي السياسي ادى به الى سجن صيدنايا المشهور وتم اطلاق سراحه في بدايات الانتفاضة السورية . من الارجح ان تاريخه وسجنه وسراحه المفاجىء من السجن نسجوا في مخيلة الكثيرين روايات حول تقاطعه ، كباقي الشخصيات الراديكالية الاسلامية ، مع النظام . روايات تناقلتها قيادات المعارضة في الداخل والخارج ، لا سيما من قبل  قدامى الحزب الشيوعي واصحاب التوجه الناصري والقومي ، فقط لتبرير مقولة ان الاسلاميين الرادكاليين هم من انتاج النظام بالمعنى المخابراتي . 

اذا كان علوش موضع جدل فانه فرض نفسه زعيما ، الاقوى ، في الغوطة الشرقية ، منطقة استقطاب حزبي قبل عام ٢٠١١ ، وبعده ، حيث قاد بقدرة تكتيكية عالية ، اهم فصيل عسكري في المنطقة وخارجها ، والاكثر تنظيما وعتادا ومالا . لقد بات لوزنه العسكري  ثقلا سياسيا يؤخذ في الاعتبار ، يتزامن مع الاقتناع العام بان اية تسوية  سياسية  لا يمكن ان تمر من دون المحاربين وتنظيماتهم . ضعف وزن المعارضة السياسية في الخارج والداخل عزز من مكانة علوش ، المدعوم بقوة من السعودية التي امسكت بملف المعارضة السورية منذ بداية الاحتلال الروسي لسوريا . 

في هذاالسياق ، يأخذ اغتيال علوش معناه ، انها ضربة من قبل بوتين  لتصاعد الدور السعودي في سوريا وتقاطعه مع الدور التركي ، بل تجاه التنسيق بين الرياض وانقرة منذ نيسان الماضي ، كما دلت على ذلك  الزيارة المفاجئة لعلوش الى اسطنبول للقاء مع قيادة فصائل اخرى ، منها ما هو محسوب على الاخوان وممول من قطر ومدعوم تدريبا وسلاحا من الحكومة التركية . بعدها ذهب علوش الى الرياض وانتقل عبر الاردن الى الغوطة ، وقيل حينها اننا امام مرحلة جديدة للتحضير ،" اذا لزم الامر "، الى خوض معركة دمشق . 

هكذا فهمت موسكو تصريحات وزير الخارجية السعودي ، عماد الجبير ، الذي صرح اكثر من مرة موجها كلامه مباشرة الى الروس ، " اما ان يخرج الاسد من السلطة سلميا او بقوة السلاح " . ان انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية ( من الداخل والخارج مع حضور مميز للفصائل  المسلحة وشخصيات تمثل فئات مهنية واجتماعية ) وتشكيل الوفد المفاوض ،  اغضب بوتين الذي لم يتمكن من فرض معارضته ولم يستطيع تأخير المؤتمر لحين انتهاء الاردن من وضع لائحة باسم المنظمات المحسوبة على الارهاب . بل ان وزارة الدفاع الروسية استبقت المؤتمر بالقول ان الاردن سلم موسكو لائحة ب ١٦٠ منظمة وفصيل ارهابي ! محاولة لا يمكن الا ادراجها في اطار التشكيك في مؤتمر الرياض وبشرعيته . 

الى اين ستصل المواجهة السعودية التركية من جهة والروسية الايرانية من جهة اخرى ؟ ان اغتيال علوش هو تحدي للسعودية واستفزاز في الوقت ذاته  لتركيا بعد اسقاط السوخوي . لكن قد يكون هذا الاغتيال ،  في سياق التفاهمات التي حصلت لاخراج النصرة وداعش من احياء ومناطق متاخمة لدمشق ، جزء من مخطط لاستدراج معركة دمشق وفرض تسوية طالما تمنتها موسكو من فترة طويلة . الكرملين ليس بوارد حل سياسي على قاعدة  "جنيف ١" . هذا ما فهمته باريس التي فرض عليها قبول القرار الاخير في مجلس الامن ، الذي اعتبرته هدية من واشنطن لموسكو من دون اي مبرر غير رغبة اوباما في تسريع الحل السياسي كما حصل تجاه الملف النووي مع ايران . 

لقد دخل الملف السوري مرحلة خطرة ، برغبة من موسكو وتخطيط ، لفرض حل تحت ضغط السلاح ، خارج اطار جنيف ١ ، انها لعبة دقيقة تعتمد على مدى صلابة العلاقات التركية السعودية ، ومدى قدرتهما على فرض وقائع على الارض لحمل واشنطن على التحرك في الاتجاه الصحيح . 

الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

انفضاح خلل المعارضة السورية


يجب على المعارضة السورية ، بكل اطيافها ، السياسية او اصحاب الرأي فيها ، ان يتوقفوا عن تقديم المعادات للغرب على ضرورة التعاون معه . قضية اللاجئين السوريين اظهرت اما تخاذل السياسي وغيابة عن المسرح او هجوم اصحاب الرأي من كل صوب وجهة وتفريغ سمهم ومفاهيمهم البائدة واثارة الصدمات التاريخية . يجب القبول بالامر الواقع بان المعارضة السورية ، بعد اكثر من اربعة سنوات من عمر الانتفاضة ، لم تتمكن من التأثير على الرأي العام الغربي ، ولن تؤثر على هذا الوضع  مع  الممارسات ذاتها . يجب الاقتناع بان النقاش حول الوضع السوري في اوروبا ، لاسيما في فرنسا ،  يأخذ طابع نقاش اوروبي ـ اوروبي ، له اسباب اخرى ودوافع لا صلة له بالوضع السوري ، الا لان هذا الوضع اجج النقاش وفرضه على شكل حالة طوارىء استثنائية يجب حلها . اي ان النقاش اوروبي مزمن يثار ايضا وبالشكل ذاته تجاه اي بلد اخر له نفس مواصفات  الوضع السوري وان كان اقل دراماتيكية . 

في فرنسا استمر عمل المعارضة محصورا في صفوفها وجزئيا مع المجتمع الفرنسي وبشكل خاص مع اطراف اليسار ، ربما لان القيمين على العمل السياسي السوري هم اقرب لليسار الشيوعي من يسار اخر ، او لان الوضع السوري كما ركزت عليه المعارضة ظل يطرح من قبلها على كإشكال نظري  ، محصور في نطاق ضيقو في نقاشات مبنية على الاقناع التثقيفي : مسألة غرب وشرق ، عرب واوروبيين .  في حين كان المطلوب تقديم طرح سياسي يربط بين اهداف المعارضة والمسائل التي تتعلق بالسياسة الخارجية الفرنسية تجاه منطقة مهمة . 

هناك رأي عام اوروبي لاتتفاعل معه المعارضة ولا تحترم القيم التي تحرك هذا الرأي . في هذا السياق ان موقف السياسي او المثقف السوري من مجلة شارلي ابدو لا معنى له ولا يدخل من قريب او من بعيد في اي عمل سياسي بل ان غالبية هذه المواقف تضر تجاه مأساة الشعب السوري . انها ملهات لمن لهم رغبة بالتموضع الاعلامي السمج والمصلحي . لا يمكن التوجه للرأي العام على اساس انه مع الشعب السوري بالفطرة ، او انه مجبر لان يؤيد هذه القضية لانها محقق يجب ان تلقى تأييدا اوتوماتيكيامن قبل كل من هم ضد الديكتاتورية ، والا فهو متهم بانه مع الديكتاتورية  . 

النقاشات الجارية حاليا في اوروبا حول سوريا يقسم بين الاوروبيين وفي داخل كل بلد اوروبي لانها مفروضة في اطار امرين ، الاول عبر ازمة اللاجئين ، التي هي قضية استراتيجية اوروبية خارج الوضع الآني للسوريين ، والثاني التدخل العسكري الروسي في سوريا وامكانية تطوره الى ازمة دولية . من الواضح ان الازمة السورية باتت خارج قدرات المعارضة التي هي معارضات تابعة للفاعلين الخارجيين . يجب الاستيقاظ قبل فوات الاوان .    

السبت، 22 أغسطس 2015

في داعش والتاريخ

في داعش والتاريخ 

قتل داعش لعالم الاثار السوري خالد الاسعد ، والتنكيل بجثته قرب اثار تدمر التي احبها وحافظ عليها كمن يعتني بعائلته ، يعطي رمزية اكبر لكل ما قامت به داعش من هدم لاثار ، هي اكثر من اثار ، هي اكثر من ذاكرة ، ذاكرة بلد وشعب ، هي سيرورة ثقافية لحاضر يتكون ببطىء : لم تنته بعد صياغة اختلافاتنا التاريخية حاضرا يجمعنا . ربما هذا هو هدف داعش .

داعش باتت ايضا رمزاً . لم يعد أحد ُيذكرنا بأنها " دولة الخلافة في العراق وبلاد الشام " . اختفى المضمون ومعه الصراع الفكري ـ التاريخي حول المُسمى وشروط استخدامه، لم يبق غير داعش وما ترمز له . يكفي ذكرها حتى تتدافع الاحداث بعظمتها ، بروعتها ودراميتها .

داعش  ، بكثافتها الدرامتيكية ، رَمز لم يظهر بهذا القدر من الفجاجة ، عاكسا وضع ثقافي وسياسي وانساني . انها بالطبع وفي هذا الظرف المأساوي لشعب سوريا ، لا تختلف عن ما يقوم به نظام عائلة الاسد من قتل وتدمير وتفكيك لمجتمع بكل تكويناته الثقافية التاريخية . داعش اضافت بُعدا تاريخيا للحدث ، انها تعيد للوحشية ضروريتها في اعادة بناء للتاريخ والحاضر في آن معا . نوع من مسح الموجود ، اثار وناس وعادات وتقاليد وقيم . 

تعود هذه الاضافة الداعشية لما يقوم به بشار الى انها استمرارية لكثير مما عايشناه من ثقافة ومن ثقافة سياسية على قاعدة انتاج وعي لا يخدم الا الآني ، مستلزمات السياسة ، اي السلطة . هذه الاخيرة هي التي اعتدنا عليها كمنظم لهذا الوعي  ، كمنتج ، باللغة والمفاهيم ، لهذا الوعي الجمعي ، بخطابيته ومرجعيته ( شرعينيته ) . الناصرية ، البعثية ، افكار سخيفة وسهلة ،  " مبسطة " ، "مسطحة " ، مجتزئة من ثقافة الصحوة الاسلامية ، الذي يمثل الاخوان المسلمين الشكل الاكثر تكاملا من الناحية الفكرية ، ثقافة عايشت منذ نشآتها مراحل تفكك السلطة العثمانية الى بداية الحقبة الاستعمارية .  

في ظروف هذه النشآة ان المشترك بين الجميع هو الرأي القائل بتماثل الفضاء الثقافي والفضاء السياسي . ليكون هناك تماثل يجب ، حسب هذا الرأي ، ان يكون هناك بداية تاريخية ، اي ارجاع الكل المختلف الى واحد . يجب ان يكون الحاضر استمرارا لهذه البداية . هذا التفكير لا يقبل الا التجانس ولا يرى غيره . التمايز الوحيد الموجود بين الناصرية والبعثية من جهة والتيارات الاسلامية ، من جهة اخرى ، يدور حول اولوية العربي على الاسلامي بالنسبة للاولى والاسلامي على العربي للفئة الثانية . استراتيجيتان لقوى سياسية للتصدي لواقع يشكل الاختلاف والخليط اهم ميزاته . كلاهما يشتركان في  " ايديولوجية تعويضية " لماضي غابر . 

من هذا المنطلق ، يمكن اعتبار داعش ، برغم فجاجة وروعة ممارساتها ، استمرارية لنظرة الى البدايات ، نظرة لا تقبل الا المتجانس بالمطلق ، اي الواحد . 

الاثنين، 17 أغسطس 2015

في مذبحة دوما



المذبحة التي ارتكبها  طيران النظام السوري ، في ١٥ اب ،  في دوما ، ريف دمشق ، هي ليست الاولى ولا الاخيرة ، لكنها تأتي في ظرف خاص ، قبل ساعات قليلة من انتهاء هدنة دامت ٧٢ ساعة في مدينة الزبداني ومحيطها ، هدنة تمت بين ايران  وابناء المدينة . الذين تمكنوا خلال شهرين من افشال كل العمليات العسكرية التي قامت بها ميليشيات طهران مدعومة من قوات الاسد . وتأتي بعد ايام معدودة من حركة ديبلوماسية دامت اكثر من اسبوعين  قادتها موسكو بدعم ( غير مشبوه ) من واشنطن ، شاركت بها السعودية وايران ، وقد اثارت العديد من التسريبات من دون تقدم يذكر غير ان ايران اصبحت تلعب دور في حراك لم يبدء والكل يريده من دون قناعة .
دوما عاشت العديد من المجازر ، ويبدوا ان الكثيرين فقدوا ذاكرتهم ، لاسيما العواصم الكبرى ، ان دوما المدينة كانت مخبرا للقنابل الكيميائية ، ومازالت تعيش بين فترة واخرى على وقع قنابل الكلور عندما لا تتساقط القنابل الفراغية ، كما حدث البارحة . لكن اذا بات سكوت واشنطن وباريس ولندن وبرلين عادة في ما يخص سوريا ، كيف يمكن تفسير سكوت الامم المتحدة ؟ ما هو رأي مندوبها الخاص لسوريا دي ميستورا ، الذي على ما يبدوا جال شرقا وغربا واختبر كل ادوات ثقافته الارستقراطية فقط لتحسين شبكة علاقاته ، التي لحسن حاله ، باتت تشمل اقطاب السلطة الايرانية !


في مثل هذا السكوت المتواطىء مع الاسد تفهم ردة فعل السوريون المعارضون للديكتاتور ، ويفهم كتاب الرأي السوريون او ذوي الحضور المعنوي منهم . قد يكون لديهم حق عندما لا يرون تنديدا بمذبحة يتعرض لها الابرياء فيما ترتفع الصيحات دفاعا عن " مسيحي الشرق " او اكراده ، كما يمكنا التساؤل عن سكوت الشارع " المسلم " الذي لا يتهيج الا لكتابة محرضة ضد نبي المسلمين . ولكن قد يكون ايضا من الضروري  التساؤل عن اسباب هذا التواطىء القاتل مع المجرم . 


 التساؤل ضروري ولكن قد لا يكف من دون الابتعاد عن الخطاب السهل الذي ، كما جرت العادة ، لا يثير الا الحقد ضد الاجنبي ( الغربي عموما ) ، وهي طريقة استخدمت على السواء من الانظمة القاتلة ومن الضحية .  اثارة المشاعر هي ممارسة سياسية ايديولوجية  مارسها النظام السوري واستعملتها ايران وساهمت في نمو قوى الظلام من داعش الى النصرة ومشتقاتهما داعش ، لان مثل هذا الخطاب يجيش المشاعر على حساب الوعي ويحرض دائما على عدو مفترض . 
بات التساؤل ضروري ايضا لانه وبعد ٥ سنوات على القتل والدمار بات واضحا ان الخطاب الذي مارسته المعارضة السورية ثبت انه غير ناجح ، لا على الصعيد الدولي ( بقي في اطار ضيق من الرأي العام ) ولا على صعيد السوري حيث ما زال هذا الخطاب يغذي الافكار التي يستخدمها كل اطياف المعارضة السياسية الاسلامية ، من دون اي فرق يذكر .

يكشف الظرف السياسي لمذبحة دوما اخطاء سياسية كثيرة ارتكبتها المعارضة ، اقلها ان النظام السوري يشعر بهامش تحرك أكبربرغم الضربات التي تلقاها : الدعم الايراني له مستمر بل انه يتزايد اضطرادا مع ازدياد نفوذ طهران ، واستمرار موسكو بلعب الورقة السورية  (  ٦ طائرات ميغ ٣١  هدية للاسد ) رافعة في وجه واشنطن وفي توسع شبكة علاقاتها الشرق اوسطية . 

خطىء المعارضة انها تركت الزبداني محاصرة وترك اهلها الدفاع بمفردهم في وجه ايران والنظام السوري ، ولم تتم اي محاول جدية لفتح معركة في ريف دمشق تكون بمستوى تسمح للزبداني بعدم الذهاب الى التفاوض من موقع ضعف يفرض عليها ما لا يمكن قبوله على الاطلاق الا في حال المساهمة في مخطط ايران للمنطقة . 

الخطىء الثاني هو تهافت المعارضات فردا فردا الى موسكو ، ومن لم يتهافت جاءه بوغدانوف الى مكان اقامته  . جاء التهافت عقب قرآة خاطئة للحراك الديبلوماسي الذي قادته موسكو ودعمته واشنطن لاسباب عديدة منها لا شك رغبة ادارة اوباما تلزيم بوتين الملف السوري رفعا للعتب ولعدم استخدام معارضيه لهذا الملف في نقد سياسته الشرق اوسطية . بالطبع يرغب اوباما اعطاء طهران دور لاسيما الان بعد الاتفاق النووي كي يدعم اتفاقه بوجه المعارضين بالقول لقد تغير سلوك ايران ! ابتسامة محمد جواد ظريف وزياراته في المنطقة كانت مدروسة . 

يدرك النظام السوري انه يمكنه الاستمرار في سياسته الهادفة الى دفع كل الاطراف الى مفاوضات معه ، الى فرض اجندته ، وهو مدرك بان المحور الداعم له لم يغير من موقفه ، بعكس كل الاشاعات حول تخلي بوتين عنه او بدء طهوان في تنفيذ الخطة ب . القتل الجماعي والمذابح المتكررة هي جزء لا يتجزء من استراتيجية اعتمدها الاسد من البداية ، وهي لا تتناقض بتاتا مع سياسة تغذية تمدد المنظمات الاسلامية الراديكالية ، بل العكس ، يبدوا ان ما يسمى الحرب على الارهاب بات على رأس اجندة المفاوضات ، ان لم يكن بمستوى وجود الاسد في المرحلة الانتقالية المنشودة . 

لا شك ستكون هناك مجازر اخرى مثل ما حصل في دوما . 


الخميس، 6 أغسطس 2015

الكذب والنفاق ادوات سياسية



بالتجربة وعبر الخبرة في العمل السياسي لمدة طويلة يمكن القول ان الكذب والنفاق صفات دائمة لكل الاحزاب الشمولية ولتفرعاتها الصغيرة من نوع " احزاب " الشخصية الكارزماتية او الطائفية او من نوعية القوى السياسية القائمة على عصبية قبائلية او مناطقية . احزاب وقوى شعائرية . حزب الله هو النوع الكاريكاتوري بامتياز لهذه الاحزاب والقوى . ليس فقط لانه يجمع بين التنظيم الحديدي القائم على مبدء واحد هو الطاعة المطلقة ، مبدء ديني بامتياز ، والشكل الكارزماتي للتبعية العمياء ، الابوية بشكلها القبيح ، انما لانه نظم الكذب والنفاق في ممارسات يومية لها ادوات حديثة وتعتمد استراتيجية ، عقلانية في الخيار والتطبيق لا يضاهيها لبنانيا وشرق اوسطيا اي قوى منظمة . الحزب فعلا هو الوليد الوحيد الناجح لدولة ولي الفقيه . الحزب يذبح ويقتل ويهدم في سوريا ومازال يعتبر ممارسته مقاومة ضد الشر المطلق الغير محدد ، لاغيا كل امكانية لاعادة تأريخ لدخوله سوريا معتبرا كل يوم بداية ! الحزب يهيمن على كل مقاليد الحكم في لبنان ويطالب في بيانه الاخير تيار المستقبل برفع يده والمشاركة في حلحلة القضاية المعلقة . الحزب يعتبر ان شعار الجيش والشعب والمقاومة هدفا ولكنه يعتبره في بيانه الاخير واقعا . يخلط عمدا بين الشعب والجمهور ككل الزعامات التاريخية امثال ستالين وهيتلر وماو والخميني . الشعب هو من تجمهر للزعيم . ينسى ان الشعب المجمهر هو فقط جمهور يعود الى اعماله فور انتهاء الجمهرة . كل الظواهر الاجتماعية : الدعارة المخدرات الخطف المنظم الفلتان الامني ، كلها سيئات نتاج فقدان سلطة الدولة حسب رأي الحزب ، هذا صحيح ، ولكن كل هذه الظواهر تنظم وتدار في مناطق الحزب عبر قوى عائلية او قبائلية تتقاطع اغلب مصلحها مع مصالح الحزب ، ان لم يكن عضوا نافذا في الحزب . هذه الظواهر بعكس ما يقول في شأنها حزب الله تعمل كجزء من هامش تحركه ، حيث يتخلى الحزب عن جزء من سلطته جغرافيا بهدف استمرار السلطة المركزية ، سلطته . الخطف والسرقة تصبح احد ادوات العمل السياسي تجاه الاخر وتجاه البيئة الحاضنة . الكذب والنفاق في حالة حزب الله اداة سياسية بامتياز . 

الأحد، 7 يونيو 2015

تفاهم عون نصرالله على المحك




كل الذين لهم علاقة مباشرة بالسياسة في لبنان يعرفون انه لا امل لجعجع بالرئاسة . وفي الظرف الحالي وبالشروط الموجودة لا يمكن ان يصل عون الى بعبدا . يمكن تتغير الظروف ( عون يراهن على ذلك في شكل عام وعلى حليفه حزب الله خاصة  ) ويصبح عون اقل الاسوء . هذه استراتيجية عون : الامر الواقع . في هذا السياق يندرج تصعيده في عرسال . هنا يطرح السؤال : ما هو أهداف الحوار بين عون وجعجع ؟ ما هي خلفية كل منهما ؟ وما هو الرهان ؟  

نغمة خفض التوتر بين العدوين اللدودين لا يمكن الاخذ بها . لا يوجد في السياسة حوار يهدف فقط لخفض التوتر الا اذا كان خفض التوتر هو لصالح الفريقين في سبيل تمرير الوقت وشرائه حتى تتلائم شروط  للانقضاض على الغريم او تحسين شروط التفاوض . قد يكون ذلك هدف عون الذي ينتظر من حليفه تغير الظرف السياسي . عون مازال يرى حزب الله مترددا ، وينسبها الى استراتيجية مختلفة جذريا عن استراتيجيته وتابعة لايران ببعدها الاقليمي الاساسي . ولكن ما هي مصلحة جعجع وهدفه ؟

يعرف جعجع قبل غيره انه لن يصل الى الرئاسة مهما صارت الظروف . وهو فعلا لاينتظر تغير الظروف والشروط التي قد تسمح بإعتلائه كرسي الرئاسة . فقد حصل الى اقصى ما يمكن الوصول اليه وهو الاعتراف به زعيما لبنانيا محليا وعربيا ، مقبولا من الغالبية السنية .
 
ويعرف جعجع ان عون يختلف عنه نفسيا وثقافيا ، لانه اقرب الى شخصية ديكتاتور فيما يخص رغبته الجامحة للسيطرة والزعامة المطلقة . عون من نوعية انا او الجحيم . هذا يعرفه جعجع من زمان من ايام الحروب العبثية . لذلك لا يمكن ادراج الحوار بين الطرفين في اطار خفض التوتر فقط ، على الاقل من وجهة نظر جعجع .
اذن ماذا يهدف زعيم القوات من الحوار ؟

بعد مرافقة هذا الحوار ، ومقارنة مختلف تصريحات الفرقاء حول جولات الحوار نلاحظ اختلاف ملحوظ بين عون وجعجع . الاول تمسك بالوصول الى ورقة تفاهم التي كان هدفها في المرحلة السابقة هدنة توقف الاستنزاف الحاصل في شعبيته وتعطيه مساحة اكبر للمناورة من دون ان يتلقى ضربات من طرف مسيحي ، من جعجع الذي سيكون مضطر ومرغم على التهدئة . وستبقى المواجهة مع السنة وقيادتها ، المواجهة التي حفظت له باستمرار شعبية مسيحية التزمت معه منذ خروج السوريين والحلف الرباعي .

جعجع اراد خفض التوتر بداية كمحطة لحوار اوسع داخل الصف المسيحي للوصول اذا استمر الحوار الى نقاش حول ثوابت وطنية من وجهة نظر مسيحية . مازال جعجع منطقي مع نفسه وتاريخة . اي انه يربط بين افكاره وممارسته السياسية من منظور ضرورة مسيحية لبنانية .  عندما صرح جعجع بانه يقبل التخلي عن ترشيحه اذا كان هناك مرشح يلتزم بافكاره وبرنامجه كان يريد التأكيد على ذلك ، وانه مع اي مرشح ، بما في ذلك عون ، بشرط وجود مشروع وبرنامج تلتقي عليه مسيحيا . يريد جعجع الوصول الى اتفاق مع عون يضبط هذا الاخير بمشروع . 

مازال جعجع على هذا الموقف  ، يرغب فعلا بحصول قطيعة ما بين عون وحزب الله وكله قناعة بأن زعيم التيار وصل في النهاية  الى قناعة بان ورقة التفاهم بينه وبين نصرالله لم تستوف اهدافه وخدمت فقط حزب الله حتى الان . اي ان العلاقة بين الطرفين لم تكن متوازنة . عندما يقول عون انه لن يرضى مرة اخرى مثل ما جرى في عام ٢٠٠٧ بتقديم تنازلات فهذا يعني ان للتوافق مع حزب الله حدود . 

ان قبول عون بالمنافسة بينه وبين جعجع فقط ، ومطالبته بسحب ترشيح هنري حلو ، يعني انه بات الان قاب قوسين من القبول بصفقة ما مع جعجع حول المرحلة المقبلة ( تخطى عون اهداف المرحلة السابقة واقتراحاته الربعة ليست اكثر من مناورة ) لكنه يتردد امام ضغوط حليفه نصرالله ويطلب من حزب الله موقفا : اللقاء الاخير لم يخرج بنتيجة  . مزايدات عون تجاه عرسال وجرودها محاولة لوضع التصعيد في اطار سياسي لعون دور به .

لا شك بان حزب الله محرج كما هو الحال بالنسبة الى عون ، ويزداد هذا الاحراج مع وصول تسريبات عن رفع الفيتو علىى تعيين شامل روكز قائدا للجيش ( ربما لم يكن هناك فيتو ) . حزب الله يريد استمرار الازمة والفراغ في ظروف التحولات على الارض في سوريا . ولكن عون يرى من هذه التحولات ظرفا لتحقيق اهدافه والاستفادة منه . من المؤكد ان الحزب ليس في هذا الوارد . 

السعودية وايران والمواجهة الاعلامية السياسية




في اطار المواجهة الحالية بين المملكة العربية السعودية وايران ، وهي مواجهة اقليمية شرق اوسطية ، تظهر المسألة الاعلامية ـ الايديولوجية مهمة استراتيجيا للتعبير والتعبئة والحشد والتبرير . 
ايرانيا ، مازال الخطاب الرسمي والاعلامي الايراني ، خطاب معمم على صعيد القوى الحليفة في منظومة ولي الفقيه ، يستعمل الفاظ ترجع الى فترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ، وتركز في شكل اساسي على العدو المتمثل باميركا باضافة اسرائيل عند البلدان العربية ، وهي شعارات استعملت في البلدان الحليفة لموسكو اوالمنضوية في ما سمي منظومة العالم الثالث . 
تريد طهران وراثة زعامة هذه الحقبة مع رغبة خاصة بان يولد عنها زعامة توفي بحق ولي الفقيه للعالم الاسلامي . حلم طهران لا شك ! 
لكن في الوقت ذاته تفضل طهران هذه الشعارات ،" الموت لاميريكا ، الموت لاسرائيل " ، كي تغطي ، بل كي تقبع ، فكرة التمدد الفارسي ، اي فكرة المواجهة العربية الفارسية ، التي قد تظهر على السطح ، وهي التي برزت ابان الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات ، والتي كان مرجعيتها الايديولوجية من قبل بغداد معركة القادسية. 
ايران تريد ايضا عدم الانذلاق الى حرب مذهبية تكون احدى نتائجها تقوية الحلف المضاض وتوسيع المواجهة على اكبر عدد ممكن من الدول لتشمل بلدان خارج منطقة الشرق الاوسط ، منطقة الصراع على النفوذ . هذالا يعني عدم اعتماد المذهبية كلوجيستيك ، انما العمل على جعله اداة تنظيمية لتحالفات محلية تكون بمثابة رافعة لسياسة ايرانية توسعية .
سعوديا ، وعربيا فيما يخص القوى المواجهة للتمدد الايراني ، تبرز اشكالية الخطاب السياسي الايديولوجي الاعلامي في صعوبة اعتماد لغة معبئة من دون ان يكون لها نتائج سلبية على تركيبة البلدان . كل بلدان الشرق الاوسط ، خارج مصر ، تركيبتها السكانية تعرف نسبة اندماج وطني ضعيف ، تواكب ضعف الانتماء الوطني بسبب غياب عوامل تقافية وطنية متميزة جامعة في اطار منظومة سياسية تسمح بالحريات العامة . 
في مواجهة ايران تم اعتماد استراتيجية اعلامية عنوانها " لا للفتنة " اي لا للمذهبية وتفتيت " الامة " . بمعنى آخر تم تحميل المسؤولية لايران ، في اطار هجومي استراتيجي . عدم وضوح هذا النوع من الاعلام وعموميته سمح من جهة في ايجاد حيز للقوى المتطرفة وتوسعها على حساب السلطة المركزية ، داعش واخواتها مثل على ذلك ، وهي ظاهرة تهدد الاستقرار في معظم الدول التي تواجه ايران .
ليس لصالح السعودية خاصة والبلدان العربية عامة تحويل الصراع مع ايران الى صراع مذهبي لانه يزعزع الكيانات ويسمح لايران بتوسيع خيارتها الى جانب امكانية تمزق الكيانات السياسية . 

محورة الصراع حول عنوان " عربي فارسي " ، برغم طابعه القومي الاكثر ميلا للعنصري ،كونه صراع مزمن ، يبقى اقل خطرا على الكيانات السياسية ، برغم ان الوضع الحالي بات شفافا لدرجة ان مذهبية الصراع باتت واضحة للعامة ولا تتحمل الجدل لدى اصحاب الرأي . 
هذا لا يعني ان نتائج هذا التمحور للصراع حول العربي ـ الفارسي سيكون اكثر نجاحا لتحقيق النتائج المتوخات . اذ ان التغيرات التي تحدث على صعيد موازين القوى لها ايضا نتائج تتعدى استراتيجيات الاطراف . عاصفة الحزم مثلا اعطت دفعا للمشاعر المذهبية لدى قيادات ايرانية وحلفاء طهران على حساب المشاعر القومية ، بينما كانت المشاعر العربية خليط بين المذهبي لدى البعض والقومي ، الى ان هيمنت الان عند العرب المؤيدين لعاصفة الحزم المشاعر القومية .
التركيز حاليا لدى المملكة السعودية على البعد العربي يندرج في اطار استراتيجية استقطاب يعطي للمملكة مركزية زعامة عربية لحلف في طور التبلور في وجه الطموحات الايرانية . وهوالامر الذي في النتيجة يضيق هامش تحرك ايران .