السبت، 22 أغسطس 2015

في داعش والتاريخ

في داعش والتاريخ 

قتل داعش لعالم الاثار السوري خالد الاسعد ، والتنكيل بجثته قرب اثار تدمر التي احبها وحافظ عليها كمن يعتني بعائلته ، يعطي رمزية اكبر لكل ما قامت به داعش من هدم لاثار ، هي اكثر من اثار ، هي اكثر من ذاكرة ، ذاكرة بلد وشعب ، هي سيرورة ثقافية لحاضر يتكون ببطىء : لم تنته بعد صياغة اختلافاتنا التاريخية حاضرا يجمعنا . ربما هذا هو هدف داعش .

داعش باتت ايضا رمزاً . لم يعد أحد ُيذكرنا بأنها " دولة الخلافة في العراق وبلاد الشام " . اختفى المضمون ومعه الصراع الفكري ـ التاريخي حول المُسمى وشروط استخدامه، لم يبق غير داعش وما ترمز له . يكفي ذكرها حتى تتدافع الاحداث بعظمتها ، بروعتها ودراميتها .

داعش  ، بكثافتها الدرامتيكية ، رَمز لم يظهر بهذا القدر من الفجاجة ، عاكسا وضع ثقافي وسياسي وانساني . انها بالطبع وفي هذا الظرف المأساوي لشعب سوريا ، لا تختلف عن ما يقوم به نظام عائلة الاسد من قتل وتدمير وتفكيك لمجتمع بكل تكويناته الثقافية التاريخية . داعش اضافت بُعدا تاريخيا للحدث ، انها تعيد للوحشية ضروريتها في اعادة بناء للتاريخ والحاضر في آن معا . نوع من مسح الموجود ، اثار وناس وعادات وتقاليد وقيم . 

تعود هذه الاضافة الداعشية لما يقوم به بشار الى انها استمرارية لكثير مما عايشناه من ثقافة ومن ثقافة سياسية على قاعدة انتاج وعي لا يخدم الا الآني ، مستلزمات السياسة ، اي السلطة . هذه الاخيرة هي التي اعتدنا عليها كمنظم لهذا الوعي  ، كمنتج ، باللغة والمفاهيم ، لهذا الوعي الجمعي ، بخطابيته ومرجعيته ( شرعينيته ) . الناصرية ، البعثية ، افكار سخيفة وسهلة ،  " مبسطة " ، "مسطحة " ، مجتزئة من ثقافة الصحوة الاسلامية ، الذي يمثل الاخوان المسلمين الشكل الاكثر تكاملا من الناحية الفكرية ، ثقافة عايشت منذ نشآتها مراحل تفكك السلطة العثمانية الى بداية الحقبة الاستعمارية .  

في ظروف هذه النشآة ان المشترك بين الجميع هو الرأي القائل بتماثل الفضاء الثقافي والفضاء السياسي . ليكون هناك تماثل يجب ، حسب هذا الرأي ، ان يكون هناك بداية تاريخية ، اي ارجاع الكل المختلف الى واحد . يجب ان يكون الحاضر استمرارا لهذه البداية . هذا التفكير لا يقبل الا التجانس ولا يرى غيره . التمايز الوحيد الموجود بين الناصرية والبعثية من جهة والتيارات الاسلامية ، من جهة اخرى ، يدور حول اولوية العربي على الاسلامي بالنسبة للاولى والاسلامي على العربي للفئة الثانية . استراتيجيتان لقوى سياسية للتصدي لواقع يشكل الاختلاف والخليط اهم ميزاته . كلاهما يشتركان في  " ايديولوجية تعويضية " لماضي غابر . 

من هذا المنطلق ، يمكن اعتبار داعش ، برغم فجاجة وروعة ممارساتها ، استمرارية لنظرة الى البدايات ، نظرة لا تقبل الا المتجانس بالمطلق ، اي الواحد . 

الاثنين، 17 أغسطس 2015

في مذبحة دوما



المذبحة التي ارتكبها  طيران النظام السوري ، في ١٥ اب ،  في دوما ، ريف دمشق ، هي ليست الاولى ولا الاخيرة ، لكنها تأتي في ظرف خاص ، قبل ساعات قليلة من انتهاء هدنة دامت ٧٢ ساعة في مدينة الزبداني ومحيطها ، هدنة تمت بين ايران  وابناء المدينة . الذين تمكنوا خلال شهرين من افشال كل العمليات العسكرية التي قامت بها ميليشيات طهران مدعومة من قوات الاسد . وتأتي بعد ايام معدودة من حركة ديبلوماسية دامت اكثر من اسبوعين  قادتها موسكو بدعم ( غير مشبوه ) من واشنطن ، شاركت بها السعودية وايران ، وقد اثارت العديد من التسريبات من دون تقدم يذكر غير ان ايران اصبحت تلعب دور في حراك لم يبدء والكل يريده من دون قناعة .
دوما عاشت العديد من المجازر ، ويبدوا ان الكثيرين فقدوا ذاكرتهم ، لاسيما العواصم الكبرى ، ان دوما المدينة كانت مخبرا للقنابل الكيميائية ، ومازالت تعيش بين فترة واخرى على وقع قنابل الكلور عندما لا تتساقط القنابل الفراغية ، كما حدث البارحة . لكن اذا بات سكوت واشنطن وباريس ولندن وبرلين عادة في ما يخص سوريا ، كيف يمكن تفسير سكوت الامم المتحدة ؟ ما هو رأي مندوبها الخاص لسوريا دي ميستورا ، الذي على ما يبدوا جال شرقا وغربا واختبر كل ادوات ثقافته الارستقراطية فقط لتحسين شبكة علاقاته ، التي لحسن حاله ، باتت تشمل اقطاب السلطة الايرانية !


في مثل هذا السكوت المتواطىء مع الاسد تفهم ردة فعل السوريون المعارضون للديكتاتور ، ويفهم كتاب الرأي السوريون او ذوي الحضور المعنوي منهم . قد يكون لديهم حق عندما لا يرون تنديدا بمذبحة يتعرض لها الابرياء فيما ترتفع الصيحات دفاعا عن " مسيحي الشرق " او اكراده ، كما يمكنا التساؤل عن سكوت الشارع " المسلم " الذي لا يتهيج الا لكتابة محرضة ضد نبي المسلمين . ولكن قد يكون ايضا من الضروري  التساؤل عن اسباب هذا التواطىء القاتل مع المجرم . 


 التساؤل ضروري ولكن قد لا يكف من دون الابتعاد عن الخطاب السهل الذي ، كما جرت العادة ، لا يثير الا الحقد ضد الاجنبي ( الغربي عموما ) ، وهي طريقة استخدمت على السواء من الانظمة القاتلة ومن الضحية .  اثارة المشاعر هي ممارسة سياسية ايديولوجية  مارسها النظام السوري واستعملتها ايران وساهمت في نمو قوى الظلام من داعش الى النصرة ومشتقاتهما داعش ، لان مثل هذا الخطاب يجيش المشاعر على حساب الوعي ويحرض دائما على عدو مفترض . 
بات التساؤل ضروري ايضا لانه وبعد ٥ سنوات على القتل والدمار بات واضحا ان الخطاب الذي مارسته المعارضة السورية ثبت انه غير ناجح ، لا على الصعيد الدولي ( بقي في اطار ضيق من الرأي العام ) ولا على صعيد السوري حيث ما زال هذا الخطاب يغذي الافكار التي يستخدمها كل اطياف المعارضة السياسية الاسلامية ، من دون اي فرق يذكر .

يكشف الظرف السياسي لمذبحة دوما اخطاء سياسية كثيرة ارتكبتها المعارضة ، اقلها ان النظام السوري يشعر بهامش تحرك أكبربرغم الضربات التي تلقاها : الدعم الايراني له مستمر بل انه يتزايد اضطرادا مع ازدياد نفوذ طهران ، واستمرار موسكو بلعب الورقة السورية  (  ٦ طائرات ميغ ٣١  هدية للاسد ) رافعة في وجه واشنطن وفي توسع شبكة علاقاتها الشرق اوسطية . 

خطىء المعارضة انها تركت الزبداني محاصرة وترك اهلها الدفاع بمفردهم في وجه ايران والنظام السوري ، ولم تتم اي محاول جدية لفتح معركة في ريف دمشق تكون بمستوى تسمح للزبداني بعدم الذهاب الى التفاوض من موقع ضعف يفرض عليها ما لا يمكن قبوله على الاطلاق الا في حال المساهمة في مخطط ايران للمنطقة . 

الخطىء الثاني هو تهافت المعارضات فردا فردا الى موسكو ، ومن لم يتهافت جاءه بوغدانوف الى مكان اقامته  . جاء التهافت عقب قرآة خاطئة للحراك الديبلوماسي الذي قادته موسكو ودعمته واشنطن لاسباب عديدة منها لا شك رغبة ادارة اوباما تلزيم بوتين الملف السوري رفعا للعتب ولعدم استخدام معارضيه لهذا الملف في نقد سياسته الشرق اوسطية . بالطبع يرغب اوباما اعطاء طهران دور لاسيما الان بعد الاتفاق النووي كي يدعم اتفاقه بوجه المعارضين بالقول لقد تغير سلوك ايران ! ابتسامة محمد جواد ظريف وزياراته في المنطقة كانت مدروسة . 

يدرك النظام السوري انه يمكنه الاستمرار في سياسته الهادفة الى دفع كل الاطراف الى مفاوضات معه ، الى فرض اجندته ، وهو مدرك بان المحور الداعم له لم يغير من موقفه ، بعكس كل الاشاعات حول تخلي بوتين عنه او بدء طهوان في تنفيذ الخطة ب . القتل الجماعي والمذابح المتكررة هي جزء لا يتجزء من استراتيجية اعتمدها الاسد من البداية ، وهي لا تتناقض بتاتا مع سياسة تغذية تمدد المنظمات الاسلامية الراديكالية ، بل العكس ، يبدوا ان ما يسمى الحرب على الارهاب بات على رأس اجندة المفاوضات ، ان لم يكن بمستوى وجود الاسد في المرحلة الانتقالية المنشودة . 

لا شك ستكون هناك مجازر اخرى مثل ما حصل في دوما . 


الخميس، 6 أغسطس 2015

الكذب والنفاق ادوات سياسية



بالتجربة وعبر الخبرة في العمل السياسي لمدة طويلة يمكن القول ان الكذب والنفاق صفات دائمة لكل الاحزاب الشمولية ولتفرعاتها الصغيرة من نوع " احزاب " الشخصية الكارزماتية او الطائفية او من نوعية القوى السياسية القائمة على عصبية قبائلية او مناطقية . احزاب وقوى شعائرية . حزب الله هو النوع الكاريكاتوري بامتياز لهذه الاحزاب والقوى . ليس فقط لانه يجمع بين التنظيم الحديدي القائم على مبدء واحد هو الطاعة المطلقة ، مبدء ديني بامتياز ، والشكل الكارزماتي للتبعية العمياء ، الابوية بشكلها القبيح ، انما لانه نظم الكذب والنفاق في ممارسات يومية لها ادوات حديثة وتعتمد استراتيجية ، عقلانية في الخيار والتطبيق لا يضاهيها لبنانيا وشرق اوسطيا اي قوى منظمة . الحزب فعلا هو الوليد الوحيد الناجح لدولة ولي الفقيه . الحزب يذبح ويقتل ويهدم في سوريا ومازال يعتبر ممارسته مقاومة ضد الشر المطلق الغير محدد ، لاغيا كل امكانية لاعادة تأريخ لدخوله سوريا معتبرا كل يوم بداية ! الحزب يهيمن على كل مقاليد الحكم في لبنان ويطالب في بيانه الاخير تيار المستقبل برفع يده والمشاركة في حلحلة القضاية المعلقة . الحزب يعتبر ان شعار الجيش والشعب والمقاومة هدفا ولكنه يعتبره في بيانه الاخير واقعا . يخلط عمدا بين الشعب والجمهور ككل الزعامات التاريخية امثال ستالين وهيتلر وماو والخميني . الشعب هو من تجمهر للزعيم . ينسى ان الشعب المجمهر هو فقط جمهور يعود الى اعماله فور انتهاء الجمهرة . كل الظواهر الاجتماعية : الدعارة المخدرات الخطف المنظم الفلتان الامني ، كلها سيئات نتاج فقدان سلطة الدولة حسب رأي الحزب ، هذا صحيح ، ولكن كل هذه الظواهر تنظم وتدار في مناطق الحزب عبر قوى عائلية او قبائلية تتقاطع اغلب مصلحها مع مصالح الحزب ، ان لم يكن عضوا نافذا في الحزب . هذه الظواهر بعكس ما يقول في شأنها حزب الله تعمل كجزء من هامش تحركه ، حيث يتخلى الحزب عن جزء من سلطته جغرافيا بهدف استمرار السلطة المركزية ، سلطته . الخطف والسرقة تصبح احد ادوات العمل السياسي تجاه الاخر وتجاه البيئة الحاضنة . الكذب والنفاق في حالة حزب الله اداة سياسية بامتياز .