الجمعة، 27 مايو 2016

أزمة سياسية او مسآلة قيادة ؟

قد يكون من الصعب على سعد الحريري اعادة ترميم علاقاته بالاطراف المسيحية الوازنة . ولكن لا يمكنه الاستمرار في الربط بين استعادة زعامته وطنيا وعداءه للتحالف المسيحي . هذا الامر لايستقيم لانه في النهاية سيكون زعيم طائفة لا اكثر . هذا ماتريده الشيعية السياسية .  

في السياسة الفرص لا تتجدد  ولكل فرصة خصوصيتها، لذلك يهتم السياسي بها ويحطاط لها كونها لا تحدد فقط مدى  قدرته على اخذ مبادرة بل لانها تدخل في تحديد حجم قدراته وفعاليتها . في هذا السياق عندما خرج سعد الحريري من قصر الاليزيه ، بعد لقاء هام بالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ، وصرح مدى تمسكه بمرشحه للرئاسة في لبنان مطالبا ميشال عون وحزب الله بالحضور الى البرلمان لانتخاب رئيس ، كان الشعور السائد لدى الفرنسيين ان الحريري لم يفقد فقط فرصة للابقاء على الابواب مفتوحة لاكثر من حل ، انما دفع الطرف الفرنسي الى مزيد من التريث فيما يخص الازمة اللبنانية . باختصار لم تكن الاجواء مريحة لا خلال اللقاء ولا بعده .
هل هدف زعيم المستقبل وقف الاندفاعة الفرنسية باتجاه ايجاد حل او التعاون في تقريب وجهات النظر بين الاطراف اللبنانية من جهة وبين الاطراف الاقليمية من جهة اخرى ؟ توجد قناعة ان الحريري غير متمسك ، في الوقت الحالي ، بالخروج من لعبة التصفير . 
يعرف الرئيس الفرنسي دقة الوضع اللبناني والحساسيات الشخصية التي تلعب دورا في تعقيد الحياة السياسية . لذلك لم تكن باريس مرتاحة للتسريبات المغرضة في اليوم الثاني للقاء البطريرك بشارة الراعي بالرئيس هولاند . لا تجاه ما سرب عن " مبادرة " من البطريرك ، ولا لجهة جعل باريس بشكل غير مباشر عرابة لزيارة فرضية قام بها الراعي الى حسن نصرالله . 
الاهم بالنسبة للرئاسة الفرنسية هو اعادة الثقة بين الاطراف اللبنانية على الاقل فيما يخص قضية سد الفراغ الرئاسي . الكثير من التعقيدات الحاصلة في هذا الملف اتت من فقدان الثقة لدى طرف وازن لبنانيا تجاه لاعب مركزي نتيجة تراكمات والكثير من سوء الفهم لخطوات ليست كلها مدروسة وبعضها فيه الكثير من عدم الخبرة او وجود رغبة لدى شخصيات في خربطة العلاقات لغايات ليست دائما سليمة .
عودة الثقة ليست عملية " تبويس لحى " ، وليست العودة الى البداية . انها تقديم مبدء التوافق كاولوية فعلية وذلك عبر  خطوات من شأنها التوصل الى نقطة انطلاق لعملية توافق على حل لمسألة . كانت فرنسا ، ومازالت ، تعتبر ان التوافق على شخصية من خارج الثنائي المطروح للرئاسة ممكن في حال حصل تقدم في شأن قانون الانتخابات التشريعية واحترام مبدء المناصفة في التعينات . من شأن ذلك ، دائما حسب المسؤولين الفرنسيين ، ان يمهد الطريق الى حوار جدي في شآن سد الفراغ الرئاسي .  
عودة الثقة ترتبط ايضا بقدرة الاطراف على تبديد الافكار التي تغذي المواجهة الحاصلة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية ، وهي مواجهة ، مهما حاول الحريري تخفيف دوره فيها، بين المستقبل وتحالف مسيحي يعتبر انه يمثل ثقلا لا يمكن تجاوزه بسهولة . الحروب الصغير ، بالطبع حروب اعلامية ، التي يديرها متزلفين واصحاب غايات ، بهدف التقليل من ثقل هذا التحالف عبر استخدام شخصيات مستقلة ليس من غايتها لعب دور لحساب هذا الفريق ضد ذاك ، لا يخدم ابدا مبدء تقديم التوافق كأولوية للوصول لحلول ترضي الجميع . الممارسات التي نعيشها الان تعيد الى الاذهان اجواء الطائفية التي هيمنت على فترة الحرب وابان الاحتلال الاسدي للبنان .
بالطبع ، يشعر الحريري ان زعامته مهددة . ومن الممكن جدا انه اعتبر خطوة سمير جعجع ، في هذا الظرف ( بعد عودته من السعودية والتسويق لمرشحه سليمان فرنجية عربيا ودوليا )  خطوة مدروسة وموجهة ضد زعامته التي تحتاج لعملية ترميم . كثيرين ممن لهم دور في قيادات المستقبل لعبوا بتأجج هذه المشاعر ، المشروعة من دون ادنى شك ، كون الاحداث تسارعت ولم يتمكن الحريري من وضعها في سياقها . الوضع في لبنان متغير ، والقوى التي  تحالفت ضد السوري تريد تغير شروط التحالف في ظرف جديد ترى فيه ان الوضع الاقليمي المتأزم وانعكاسه على لبنان يتطلب رؤية مختلفة للتحالفات ، ليس تغيرها انما الخروج من مبدء فرض رؤية احادية على الحليف .
التحالف المسيحي امر واقع لايمكن تجاوزه ولا يمكن شيطنته فقط لانه غير مطواع لرغبات مر الزمن عليها . كان من الاسهل ان تستعاد الثقة من ان تؤجج المشاعر التي في الواقع هي مشاعر موجودة كالجمر تحت الرماد . 
كان من الاجدر على تيار المستقبل اخذ المبادرة بجدية ووضع ثقلهم في وجه نبيه بري ومناوراته العقيمة والضغط باتجاه مشروع قانون للانتخابات التشريعية تفتح مجالا للتفاهم بين قوى تشترك في رؤية مستقبلية . حصل العكس ترك نبيه بري يتمختر على الساحة يهدد ويفرض ويحدد ما يريد فارضا لعبة هي في النتيجة النهائية فرط التحالفات   لتتعزز شروط الشيعية السياسية .    

الخميس، 14 أبريل 2016

لم تنتهي مفاعيل ١٣ نيسان


كان نظام الاسد هو المنظم والمتحكم بالعلاقات السياسية بين الطوائف في لبنان ، بحيث ارتبطت كل منها على حدا في علاقة ثنائية مع دمشق  . هذا النوع من العلاقات استثنى منها الزعامات المسيحية الوازنة ، وركبت دمشق انواع اخرى من العلاقات قائمة على شخصيات مرتبطة مباشرة بها عبر قيادات امنية او سياسة  مباشرة مع قصر المهاجرين .  كل الزعامات السياسية المسلمة شاركت في تعزيز هذا النوع من العلاقات ، طوعا او مرغمين بهدف المحافظة على الزعامة التي كانت مهددة قتلا او عبر تفريخ زعامات جديدة . الجانب المميز لهذه العلاقات هي الثنائية التي تحرم العلاقات بين المذاهب المسلمة وبين الطوائف . لكن الجانب المميز ايضا  لتلك الفترة هو الغاء الزعامة المسيحية الوازنة وارتياح الزعامات المسلمة لهذا الوضع على انه نتيجة طبيعية لانتهاء حقبة وتعبير صحيح عن نتائج حرب . الكل استفاد من هذا الوضع تبعا لحجمه واهدافة . الحريرية اعتلى وزنها علي كل الاصعدة بدعم من السعودية التي شرعت عربيا للوجود السوري في لبنان . الزعيم الدرزي وليد جنبلاط حقق ما لم يتمكن ابوه من تحقيقه في الانهاء على الدور المسيحي السياسي، اما الزعامات الشيعية فكان لها توسع سياسي واقتصادي يضاهي في مكمونه واشكاله ما حققه السنة في الطائف بالاطافة الي القوة العسكرية الرادعة لكل ما يمس قوتها ومشروعها .  بعد خروج قوات الاسد بفعل الانتفاضة الوطنية غدات اغتيال رفيق الحريري حدثت تحولات سياسية مهمة علي صعيد العلاقات السياسية بين الطوائف ، صار هناك تمحور بين القوى المعادية للاسد والمؤيدة له . بالطبع كان التمحور معبر عن تغير مؤقت في موازين القوى من دون ان يولد ذلك اي مفهوم جديد لكيفية البناء على الوضع الجديد لادارة البلاد ، حكمها بما يؤمن الاستقرار . فرضت القوى المسيحية الوازنة نفسها من جديد على المشهد السياسي  لانها شاركت بقوة بالانتفاضة واصبحت جزء من اعادة صياغة التحالفات  . لكنه برغم هذه المساهمة لم يتم تغيير بمواقف زعامات الطوائف المسلمة تجاه الطائفة المسيحية .ظلت المواقف على ما كانت عليه ابان الاحتلال السوري مع استمرار الرفض لتغيير ما انتجته الحرب من توازنات بين الطوائف . التحالف الرباعي ثم الانقسام المسيحي بين المحاور المذهبية ، كلها دلت عن جمود سياسي تجاه ما يمكن تسمية المسألة المسيحية  في لبنان . يمكن القول ان الزعامات المسيحية الوازنة ظلت محصورة في اطار رؤية عقيمة ملخصها استعادة موقع الشريك المتساوي ، مع انها تتدرك ان الطوائف الاخرى ليست بهذا الوارد ، وان الطوائف المسلمة تقبل المشاركة على اساس توابع لهذا او ذاك المحور كافضل حل للمسألة المسيحية  .اختيار  القوى المسيحية لاولوية وحدة الصف المسيحي  ادى الى ردة فعل فوق اعتيادية من جانب الطائفة السنية وزعامة الحريري بالذات الاكثر تضررا من خطوة المسيحيين . كلام الحريري في  سنوية ذكرى اغتيال  والده  بالقول " يا ريت صارت المصالحة من زمان " هي اكثر من زكزكة صبيانية ، انها علامة استياء كبيرة لما يعتبره عرقلة لاستراتيجيتة.   لم يخطىء  . من هذه الزاوية يجب قرآة رداة الفعل الطائفية لمطالب المسيحيين . ولكن ايضا يبدوا ان الحل  يجب ان يأتي من الجانب المسيحي بهدف تخطي الجمود الفكري والسياسي المهيمن على علاقات الطوائف، لا سيمافي ظل  الصراع المذهبي الحاد..

الاثنين، 11 يناير 2016

بدء العد العكسي لانتخاب رئيس في لبنان




قد نكون امام تغيرات مفاجئة في المنطقة ، لكن هذه المرة سيكون للبنان دورا في الانطلاقة . هذه التغيرات    هي في الواقع لبنانية لها تبعات اقليمية ، لانه ، بعكس ما هو سائد ، الوضع اللبناني مؤثر كما هو يتآثر بالاقليم . هذه ليست عملية دياليكتيكية ، كما قد توحي الجملة . في لبنان اطراف لها مكانة في اللعبة الاقليمية ، هذا المقصود . 
نعرف ، حتى الان ، ان مبادرة الحريري مازالت مطروحة . ومهما قيل في الاونة الاخيرة عن انسحابها من التداول ، المبادرة هي الادات الحقيقة للتغير ، والشيخ سعد الحريري متمسك بها انطلاقا من تحليل للواقع والامكانيات الموجودة والمخاطر والخطوات الاقل خطورة لبنانيا واقليميا . في هذا السياق يجب الانتباه الى الدعم الذي حصلت عليه المبادرة ، اقليميا ودوليا ، بما في ذلك على صعيد القيادة الروحية في لبنان وفي روما ، في الفاتيكان . 
اذا التقى الشيخ سعد الحريري ، او لم يلتق ، اليوم او بعد اليوم ، في باريس ، سليمان فرنجية ، فمن المؤكد ان المبادرة ستظهر الى العلن . والمعركة ستخاض لانتخاب رئيس للبنان ، وستكون بمثابة وضع التحالفات الداخلية اللبنانية الموروثة عن خروج السوري  امام متغير مهم وجدي ، سيحدد اشكال التحالفات ، اما القطعية ورسمها خارطة جديدة لها  او استمرارها ولكن اعادة بنائها انطلاقا من واقع جديد . 
البارحة تناولت القوات اللبنانية هذا الموضوع بشكل دراماتيكي وفي تصريحين ، الاول في اجتماع لقوى ١٤ آذار ، حيث صارح النائب جورج عدوان الحلفاء ، بنبرة فيها نوع من التحدي ، ان حزبه سيرشح الجنرال عون للرئاسة اذا بادر الحريري الى اعلان ترشيح سليمان فرنجية . اما التصريح الثاني ، والذي يمكن قرآته من زاويتين مختلفتين ، فجاء على لسان ملحم الرياشي ، مسؤول جهاز الاعلام والتواصل ، الرجل الذي لعب دور مركزي في الحوار مع التيار الحر . قال الرياشي ان " ما تقوم به القوات ليس ردة فعل على ترشيح فرنجية وليست محاولة لاقناع " المستقبل " بالعدول عن المبادرة " . واضاف ان القوات متمسكة بالعلاقة مع "المستقبل" لان لذلك علاقة " بوجود لبنان " ، اي علاقة استراتيجية . واكد على انه في الظرف الحالي باتت الرئاسة محصورة بمرشحين من ٨ آذار . 
قد تبدوا نبرة الرياشي اقل حدية من نبرة عدوان ، الاختلاف في الشخصيتين معروف ، لكن من الواضح ان الاثنين عبرا عن موقف واحد للقوات مفاده انه اذا هناك توافق على نوعية المخاطر المحدقة بلبنان الا ان استراتيجية القوات تختلف عن استراتيجية " المستقبل " . هذا ما عبر عنه الرياشي حينما قال ان القوات سئمت المعادلات على شاكلة " س ـ س " . اي ان القوات ترغب اتباع سياسة تمحور خطواتها حول استقلال القرار المسيحي ، الاكثر اهمية لها لانها تهدف الى لعب الدور المركزي فيه . الباقي محصلة ، حيينما يقول الرياشي ان العلاقة مع المستقبل استراتيجية ، لان القوات تعتبر ان " المستقبل " يشكل الاعتدال اللبناني مقارنة ، كما قال الرياشي ، بالتطرف الحاصل في العراق وسوريا . 
 الاختلاف بين الحريري وجعجع واضح ومبني على تباين كبير في المنطلقات التي بنى كل منهما استراتيجيتة على اساسها . يواجه سعد الحريري مسؤولية كبيرة بحكم دوره المركزي لبنانيا ودوره الاقليمي المهم في الظرف الحالي للوضع الاقليمي بعد عاصفة الحزم واتساع خطوط التماس بين السعودية وايران لتشمل اليمن والبحرين والعراق وسوريا ولبنان . كل خطوة لا تأخذ في الاعتبار هذا الظرف لا يمكن ان يبنى عليها في اطار هذه المواجهة . كيف يمكن ايقاف تدهور الوضع اللبناني وتفكك الدولة ومؤسساتها ومنع احداث تغير للمنظومة الموجودة وبالتالي وقف السياسة التي يتبعها حزب الله ودون وقوع لبنان اسير ايران ؟ هذا هو التحدي المطروح . استراتيجية جعجع دفاعية تستهدف المحافظة على وحدة الصف المسيحي ( لعبة قديمة جديدة لم تنتج ) واستراتيجية الحريري تعكس رغبة التصدي فعلا على ضوء التصعيد الحاصل في المنطقة .
هل ترشيح فرنجية يدخل في هذا السياق ؟ 
عمليا ، انتخاب رئيس للجمهورية يوقف الشلل الحاصل على صعيد المؤسسات السياسية واولها مؤسسة     رئاسة الوزراء ، ولاشك عودة الحياة للبرلمان . ومن المؤكد ان ذاك يمكن من تنشيط مراكز القرار حتى وان كان ذلك رهن بكيفية ادارة التناقضات في اطار المؤسسات . لكن يبقى الاهم ان عودة الحياة السياسي ستشكل عائقا امام حرية حركة حزب الله ، الذي هو المستفيد الاكبر من غياب المؤسسات كون هذا الغياب يرفع كل الضوابط في وجه تحركاته . هنا بيت القصيد في سياسة الحريري .