كان نظام الاسد هو المنظم والمتحكم بالعلاقات السياسية بين الطوائف في لبنان ، بحيث ارتبطت كل منها على حدا في علاقة ثنائية مع دمشق . هذا النوع من العلاقات استثنى منها الزعامات المسيحية الوازنة ، وركبت دمشق انواع اخرى من العلاقات قائمة على شخصيات مرتبطة مباشرة بها عبر قيادات امنية او سياسة مباشرة مع قصر المهاجرين . كل الزعامات السياسية المسلمة شاركت في تعزيز هذا النوع من العلاقات ، طوعا او مرغمين بهدف المحافظة على الزعامة التي كانت مهددة قتلا او عبر تفريخ زعامات جديدة . الجانب المميز لهذه العلاقات هي الثنائية التي تحرم العلاقات بين المذاهب المسلمة وبين الطوائف . لكن الجانب المميز ايضا لتلك الفترة هو الغاء الزعامة المسيحية الوازنة وارتياح الزعامات المسلمة لهذا الوضع على انه نتيجة طبيعية لانتهاء حقبة وتعبير صحيح عن نتائج حرب . الكل استفاد من هذا الوضع تبعا لحجمه واهدافة . الحريرية اعتلى وزنها علي كل الاصعدة بدعم من السعودية التي شرعت عربيا للوجود السوري في لبنان . الزعيم الدرزي وليد جنبلاط حقق ما لم يتمكن ابوه من تحقيقه في الانهاء على الدور المسيحي السياسي، اما الزعامات الشيعية فكان لها توسع سياسي واقتصادي يضاهي في مكمونه واشكاله ما حققه السنة في الطائف بالاطافة الي القوة العسكرية الرادعة لكل ما يمس قوتها ومشروعها . بعد خروج قوات الاسد بفعل الانتفاضة الوطنية غدات اغتيال رفيق الحريري حدثت تحولات سياسية مهمة علي صعيد العلاقات السياسية بين الطوائف ، صار هناك تمحور بين القوى المعادية للاسد والمؤيدة له . بالطبع كان التمحور معبر عن تغير مؤقت في موازين القوى من دون ان يولد ذلك اي مفهوم جديد لكيفية البناء على الوضع الجديد لادارة البلاد ، حكمها بما يؤمن الاستقرار . فرضت القوى المسيحية الوازنة نفسها من جديد على المشهد السياسي لانها شاركت بقوة بالانتفاضة واصبحت جزء من اعادة صياغة التحالفات . لكنه برغم هذه المساهمة لم يتم تغيير بمواقف زعامات الطوائف المسلمة تجاه الطائفة المسيحية .ظلت المواقف على ما كانت عليه ابان الاحتلال السوري مع استمرار الرفض لتغيير ما انتجته الحرب من توازنات بين الطوائف . التحالف الرباعي ثم الانقسام المسيحي بين المحاور المذهبية ، كلها دلت عن جمود سياسي تجاه ما يمكن تسمية المسألة المسيحية في لبنان . يمكن القول ان الزعامات المسيحية الوازنة ظلت محصورة في اطار رؤية عقيمة ملخصها استعادة موقع الشريك المتساوي ، مع انها تتدرك ان الطوائف الاخرى ليست بهذا الوارد ، وان الطوائف المسلمة تقبل المشاركة على اساس توابع لهذا او ذاك المحور كافضل حل للمسألة المسيحية .اختيار القوى المسيحية لاولوية وحدة الصف المسيحي ادى الى ردة فعل فوق اعتيادية من جانب الطائفة السنية وزعامة الحريري بالذات الاكثر تضررا من خطوة المسيحيين . كلام الحريري في سنوية ذكرى اغتيال والده بالقول " يا ريت صارت المصالحة من زمان " هي اكثر من زكزكة صبيانية ، انها علامة استياء كبيرة لما يعتبره عرقلة لاستراتيجيتة. لم يخطىء . من هذه الزاوية يجب قرآة رداة الفعل الطائفية لمطالب المسيحيين . ولكن ايضا يبدوا ان الحل يجب ان يأتي من الجانب المسيحي بهدف تخطي الجمود الفكري والسياسي المهيمن على علاقات الطوائف، لا سيمافي ظل الصراع المذهبي الحاد..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)