الجمعة، 27 مايو 2016

أزمة سياسية او مسآلة قيادة ؟

قد يكون من الصعب على سعد الحريري اعادة ترميم علاقاته بالاطراف المسيحية الوازنة . ولكن لا يمكنه الاستمرار في الربط بين استعادة زعامته وطنيا وعداءه للتحالف المسيحي . هذا الامر لايستقيم لانه في النهاية سيكون زعيم طائفة لا اكثر . هذا ماتريده الشيعية السياسية .  

في السياسة الفرص لا تتجدد  ولكل فرصة خصوصيتها، لذلك يهتم السياسي بها ويحطاط لها كونها لا تحدد فقط مدى  قدرته على اخذ مبادرة بل لانها تدخل في تحديد حجم قدراته وفعاليتها . في هذا السياق عندما خرج سعد الحريري من قصر الاليزيه ، بعد لقاء هام بالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ، وصرح مدى تمسكه بمرشحه للرئاسة في لبنان مطالبا ميشال عون وحزب الله بالحضور الى البرلمان لانتخاب رئيس ، كان الشعور السائد لدى الفرنسيين ان الحريري لم يفقد فقط فرصة للابقاء على الابواب مفتوحة لاكثر من حل ، انما دفع الطرف الفرنسي الى مزيد من التريث فيما يخص الازمة اللبنانية . باختصار لم تكن الاجواء مريحة لا خلال اللقاء ولا بعده .
هل هدف زعيم المستقبل وقف الاندفاعة الفرنسية باتجاه ايجاد حل او التعاون في تقريب وجهات النظر بين الاطراف اللبنانية من جهة وبين الاطراف الاقليمية من جهة اخرى ؟ توجد قناعة ان الحريري غير متمسك ، في الوقت الحالي ، بالخروج من لعبة التصفير . 
يعرف الرئيس الفرنسي دقة الوضع اللبناني والحساسيات الشخصية التي تلعب دورا في تعقيد الحياة السياسية . لذلك لم تكن باريس مرتاحة للتسريبات المغرضة في اليوم الثاني للقاء البطريرك بشارة الراعي بالرئيس هولاند . لا تجاه ما سرب عن " مبادرة " من البطريرك ، ولا لجهة جعل باريس بشكل غير مباشر عرابة لزيارة فرضية قام بها الراعي الى حسن نصرالله . 
الاهم بالنسبة للرئاسة الفرنسية هو اعادة الثقة بين الاطراف اللبنانية على الاقل فيما يخص قضية سد الفراغ الرئاسي . الكثير من التعقيدات الحاصلة في هذا الملف اتت من فقدان الثقة لدى طرف وازن لبنانيا تجاه لاعب مركزي نتيجة تراكمات والكثير من سوء الفهم لخطوات ليست كلها مدروسة وبعضها فيه الكثير من عدم الخبرة او وجود رغبة لدى شخصيات في خربطة العلاقات لغايات ليست دائما سليمة .
عودة الثقة ليست عملية " تبويس لحى " ، وليست العودة الى البداية . انها تقديم مبدء التوافق كاولوية فعلية وذلك عبر  خطوات من شأنها التوصل الى نقطة انطلاق لعملية توافق على حل لمسألة . كانت فرنسا ، ومازالت ، تعتبر ان التوافق على شخصية من خارج الثنائي المطروح للرئاسة ممكن في حال حصل تقدم في شأن قانون الانتخابات التشريعية واحترام مبدء المناصفة في التعينات . من شأن ذلك ، دائما حسب المسؤولين الفرنسيين ، ان يمهد الطريق الى حوار جدي في شآن سد الفراغ الرئاسي .  
عودة الثقة ترتبط ايضا بقدرة الاطراف على تبديد الافكار التي تغذي المواجهة الحاصلة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية ، وهي مواجهة ، مهما حاول الحريري تخفيف دوره فيها، بين المستقبل وتحالف مسيحي يعتبر انه يمثل ثقلا لا يمكن تجاوزه بسهولة . الحروب الصغير ، بالطبع حروب اعلامية ، التي يديرها متزلفين واصحاب غايات ، بهدف التقليل من ثقل هذا التحالف عبر استخدام شخصيات مستقلة ليس من غايتها لعب دور لحساب هذا الفريق ضد ذاك ، لا يخدم ابدا مبدء تقديم التوافق كأولوية للوصول لحلول ترضي الجميع . الممارسات التي نعيشها الان تعيد الى الاذهان اجواء الطائفية التي هيمنت على فترة الحرب وابان الاحتلال الاسدي للبنان .
بالطبع ، يشعر الحريري ان زعامته مهددة . ومن الممكن جدا انه اعتبر خطوة سمير جعجع ، في هذا الظرف ( بعد عودته من السعودية والتسويق لمرشحه سليمان فرنجية عربيا ودوليا )  خطوة مدروسة وموجهة ضد زعامته التي تحتاج لعملية ترميم . كثيرين ممن لهم دور في قيادات المستقبل لعبوا بتأجج هذه المشاعر ، المشروعة من دون ادنى شك ، كون الاحداث تسارعت ولم يتمكن الحريري من وضعها في سياقها . الوضع في لبنان متغير ، والقوى التي  تحالفت ضد السوري تريد تغير شروط التحالف في ظرف جديد ترى فيه ان الوضع الاقليمي المتأزم وانعكاسه على لبنان يتطلب رؤية مختلفة للتحالفات ، ليس تغيرها انما الخروج من مبدء فرض رؤية احادية على الحليف .
التحالف المسيحي امر واقع لايمكن تجاوزه ولا يمكن شيطنته فقط لانه غير مطواع لرغبات مر الزمن عليها . كان من الاسهل ان تستعاد الثقة من ان تؤجج المشاعر التي في الواقع هي مشاعر موجودة كالجمر تحت الرماد . 
كان من الاجدر على تيار المستقبل اخذ المبادرة بجدية ووضع ثقلهم في وجه نبيه بري ومناوراته العقيمة والضغط باتجاه مشروع قانون للانتخابات التشريعية تفتح مجالا للتفاهم بين قوى تشترك في رؤية مستقبلية . حصل العكس ترك نبيه بري يتمختر على الساحة يهدد ويفرض ويحدد ما يريد فارضا لعبة هي في النتيجة النهائية فرط التحالفات   لتتعزز شروط الشيعية السياسية .    

الخميس، 14 أبريل 2016

لم تنتهي مفاعيل ١٣ نيسان


كان نظام الاسد هو المنظم والمتحكم بالعلاقات السياسية بين الطوائف في لبنان ، بحيث ارتبطت كل منها على حدا في علاقة ثنائية مع دمشق  . هذا النوع من العلاقات استثنى منها الزعامات المسيحية الوازنة ، وركبت دمشق انواع اخرى من العلاقات قائمة على شخصيات مرتبطة مباشرة بها عبر قيادات امنية او سياسة  مباشرة مع قصر المهاجرين .  كل الزعامات السياسية المسلمة شاركت في تعزيز هذا النوع من العلاقات ، طوعا او مرغمين بهدف المحافظة على الزعامة التي كانت مهددة قتلا او عبر تفريخ زعامات جديدة . الجانب المميز لهذه العلاقات هي الثنائية التي تحرم العلاقات بين المذاهب المسلمة وبين الطوائف . لكن الجانب المميز ايضا  لتلك الفترة هو الغاء الزعامة المسيحية الوازنة وارتياح الزعامات المسلمة لهذا الوضع على انه نتيجة طبيعية لانتهاء حقبة وتعبير صحيح عن نتائج حرب . الكل استفاد من هذا الوضع تبعا لحجمه واهدافة . الحريرية اعتلى وزنها علي كل الاصعدة بدعم من السعودية التي شرعت عربيا للوجود السوري في لبنان . الزعيم الدرزي وليد جنبلاط حقق ما لم يتمكن ابوه من تحقيقه في الانهاء على الدور المسيحي السياسي، اما الزعامات الشيعية فكان لها توسع سياسي واقتصادي يضاهي في مكمونه واشكاله ما حققه السنة في الطائف بالاطافة الي القوة العسكرية الرادعة لكل ما يمس قوتها ومشروعها .  بعد خروج قوات الاسد بفعل الانتفاضة الوطنية غدات اغتيال رفيق الحريري حدثت تحولات سياسية مهمة علي صعيد العلاقات السياسية بين الطوائف ، صار هناك تمحور بين القوى المعادية للاسد والمؤيدة له . بالطبع كان التمحور معبر عن تغير مؤقت في موازين القوى من دون ان يولد ذلك اي مفهوم جديد لكيفية البناء على الوضع الجديد لادارة البلاد ، حكمها بما يؤمن الاستقرار . فرضت القوى المسيحية الوازنة نفسها من جديد على المشهد السياسي  لانها شاركت بقوة بالانتفاضة واصبحت جزء من اعادة صياغة التحالفات  . لكنه برغم هذه المساهمة لم يتم تغيير بمواقف زعامات الطوائف المسلمة تجاه الطائفة المسيحية .ظلت المواقف على ما كانت عليه ابان الاحتلال السوري مع استمرار الرفض لتغيير ما انتجته الحرب من توازنات بين الطوائف . التحالف الرباعي ثم الانقسام المسيحي بين المحاور المذهبية ، كلها دلت عن جمود سياسي تجاه ما يمكن تسمية المسألة المسيحية  في لبنان . يمكن القول ان الزعامات المسيحية الوازنة ظلت محصورة في اطار رؤية عقيمة ملخصها استعادة موقع الشريك المتساوي ، مع انها تتدرك ان الطوائف الاخرى ليست بهذا الوارد ، وان الطوائف المسلمة تقبل المشاركة على اساس توابع لهذا او ذاك المحور كافضل حل للمسألة المسيحية  .اختيار  القوى المسيحية لاولوية وحدة الصف المسيحي  ادى الى ردة فعل فوق اعتيادية من جانب الطائفة السنية وزعامة الحريري بالذات الاكثر تضررا من خطوة المسيحيين . كلام الحريري في  سنوية ذكرى اغتيال  والده  بالقول " يا ريت صارت المصالحة من زمان " هي اكثر من زكزكة صبيانية ، انها علامة استياء كبيرة لما يعتبره عرقلة لاستراتيجيتة.   لم يخطىء  . من هذه الزاوية يجب قرآة رداة الفعل الطائفية لمطالب المسيحيين . ولكن ايضا يبدوا ان الحل  يجب ان يأتي من الجانب المسيحي بهدف تخطي الجمود الفكري والسياسي المهيمن على علاقات الطوائف، لا سيمافي ظل  الصراع المذهبي الحاد..

الاثنين، 11 يناير 2016

بدء العد العكسي لانتخاب رئيس في لبنان




قد نكون امام تغيرات مفاجئة في المنطقة ، لكن هذه المرة سيكون للبنان دورا في الانطلاقة . هذه التغيرات    هي في الواقع لبنانية لها تبعات اقليمية ، لانه ، بعكس ما هو سائد ، الوضع اللبناني مؤثر كما هو يتآثر بالاقليم . هذه ليست عملية دياليكتيكية ، كما قد توحي الجملة . في لبنان اطراف لها مكانة في اللعبة الاقليمية ، هذا المقصود . 
نعرف ، حتى الان ، ان مبادرة الحريري مازالت مطروحة . ومهما قيل في الاونة الاخيرة عن انسحابها من التداول ، المبادرة هي الادات الحقيقة للتغير ، والشيخ سعد الحريري متمسك بها انطلاقا من تحليل للواقع والامكانيات الموجودة والمخاطر والخطوات الاقل خطورة لبنانيا واقليميا . في هذا السياق يجب الانتباه الى الدعم الذي حصلت عليه المبادرة ، اقليميا ودوليا ، بما في ذلك على صعيد القيادة الروحية في لبنان وفي روما ، في الفاتيكان . 
اذا التقى الشيخ سعد الحريري ، او لم يلتق ، اليوم او بعد اليوم ، في باريس ، سليمان فرنجية ، فمن المؤكد ان المبادرة ستظهر الى العلن . والمعركة ستخاض لانتخاب رئيس للبنان ، وستكون بمثابة وضع التحالفات الداخلية اللبنانية الموروثة عن خروج السوري  امام متغير مهم وجدي ، سيحدد اشكال التحالفات ، اما القطعية ورسمها خارطة جديدة لها  او استمرارها ولكن اعادة بنائها انطلاقا من واقع جديد . 
البارحة تناولت القوات اللبنانية هذا الموضوع بشكل دراماتيكي وفي تصريحين ، الاول في اجتماع لقوى ١٤ آذار ، حيث صارح النائب جورج عدوان الحلفاء ، بنبرة فيها نوع من التحدي ، ان حزبه سيرشح الجنرال عون للرئاسة اذا بادر الحريري الى اعلان ترشيح سليمان فرنجية . اما التصريح الثاني ، والذي يمكن قرآته من زاويتين مختلفتين ، فجاء على لسان ملحم الرياشي ، مسؤول جهاز الاعلام والتواصل ، الرجل الذي لعب دور مركزي في الحوار مع التيار الحر . قال الرياشي ان " ما تقوم به القوات ليس ردة فعل على ترشيح فرنجية وليست محاولة لاقناع " المستقبل " بالعدول عن المبادرة " . واضاف ان القوات متمسكة بالعلاقة مع "المستقبل" لان لذلك علاقة " بوجود لبنان " ، اي علاقة استراتيجية . واكد على انه في الظرف الحالي باتت الرئاسة محصورة بمرشحين من ٨ آذار . 
قد تبدوا نبرة الرياشي اقل حدية من نبرة عدوان ، الاختلاف في الشخصيتين معروف ، لكن من الواضح ان الاثنين عبرا عن موقف واحد للقوات مفاده انه اذا هناك توافق على نوعية المخاطر المحدقة بلبنان الا ان استراتيجية القوات تختلف عن استراتيجية " المستقبل " . هذا ما عبر عنه الرياشي حينما قال ان القوات سئمت المعادلات على شاكلة " س ـ س " . اي ان القوات ترغب اتباع سياسة تمحور خطواتها حول استقلال القرار المسيحي ، الاكثر اهمية لها لانها تهدف الى لعب الدور المركزي فيه . الباقي محصلة ، حيينما يقول الرياشي ان العلاقة مع المستقبل استراتيجية ، لان القوات تعتبر ان " المستقبل " يشكل الاعتدال اللبناني مقارنة ، كما قال الرياشي ، بالتطرف الحاصل في العراق وسوريا . 
 الاختلاف بين الحريري وجعجع واضح ومبني على تباين كبير في المنطلقات التي بنى كل منهما استراتيجيتة على اساسها . يواجه سعد الحريري مسؤولية كبيرة بحكم دوره المركزي لبنانيا ودوره الاقليمي المهم في الظرف الحالي للوضع الاقليمي بعد عاصفة الحزم واتساع خطوط التماس بين السعودية وايران لتشمل اليمن والبحرين والعراق وسوريا ولبنان . كل خطوة لا تأخذ في الاعتبار هذا الظرف لا يمكن ان يبنى عليها في اطار هذه المواجهة . كيف يمكن ايقاف تدهور الوضع اللبناني وتفكك الدولة ومؤسساتها ومنع احداث تغير للمنظومة الموجودة وبالتالي وقف السياسة التي يتبعها حزب الله ودون وقوع لبنان اسير ايران ؟ هذا هو التحدي المطروح . استراتيجية جعجع دفاعية تستهدف المحافظة على وحدة الصف المسيحي ( لعبة قديمة جديدة لم تنتج ) واستراتيجية الحريري تعكس رغبة التصدي فعلا على ضوء التصعيد الحاصل في المنطقة .
هل ترشيح فرنجية يدخل في هذا السياق ؟ 
عمليا ، انتخاب رئيس للجمهورية يوقف الشلل الحاصل على صعيد المؤسسات السياسية واولها مؤسسة     رئاسة الوزراء ، ولاشك عودة الحياة للبرلمان . ومن المؤكد ان ذاك يمكن من تنشيط مراكز القرار حتى وان كان ذلك رهن بكيفية ادارة التناقضات في اطار المؤسسات . لكن يبقى الاهم ان عودة الحياة السياسي ستشكل عائقا امام حرية حركة حزب الله ، الذي هو المستفيد الاكبر من غياب المؤسسات كون هذا الغياب يرفع كل الضوابط في وجه تحركاته . هنا بيت القصيد في سياسة الحريري .  


السبت، 26 ديسمبر 2015

موسكو ولعبة الهاوية

تهيمن حاليا نظرة تحليلية مؤامرتية على مخابراتية حول  الوضع السوري ، الدائم التغير والمتجدد . قد يلعب دورا في ذلك عدم وضوح في استراتيجية روسيا . كما يعزز ذلك  المركزية المطلقة للقرار في يد بوتين صاحب القرار النهائي ، كما هو واضح لغالبية متابعي الوضعي الروسي . يقول التحليل المهيمن ان هناك اكثر من تقاطع بين مصالح اسرائيل وروسيا في سوريا  ، بل قد يوجد نوع من التحالف غير المعلن تجاه ما يجب ان يستقر عليه الوضع السوري . مثل هذه النظرة هي المعتمدة اليوم لتفسير كيفية استرشاد موسكو الى مقر اجتماع قيادات " جيش الاسلام " بحضور زعيم التنظيم ، زهران علوش ، الرجل الاكثر جدلا بين جميع اطراف المعارضة السورية ، وهو الذي يمسك بقوته التنظيمية والعسكرية ريف دمشق ، والغوطة بالتحديد ، والمحسوب ، من دون اي تفصيل ، على المملكة العربية السعودية .
 
يقول التحليل ان موسكو استدلت الى اجتماع قادة " جيش الاسلام " عبر المخابرات الاسرائلية ، في اطار تبادل مصلحي ، القنطار مقابل علوش ! . خارج السياق الزمني للحادثتين ، ليس هناك اي دليل على صحة هذه المعادلة ، التي لاشك ، كما تجري العادة ، انها تفي بالحاجة  لتفسير ما حصل . القنطار مقابل علوش ؟ معادلة لا معنى لها اذا اخذنا في الاعتبار حجم الشخصيتين على الساحة السياسية والعسكرية ، هذا اولا ، وثانيا ، علوش بموقعه السياسي والعسكري وبقدراته في موقع جغرافي استراتيجي له اهمية خارج سياق العلاقة الاسرائلية الروسية . علوش قائد لقوى عسكرية لها ثقلها  في موازين القوى بين المعارضة السورية والنظام . تزداد اهميته حاليا في اجواء المفاوضات لايجاذ حل سياسي للازمة السورية ، وتتعزز كونه محسوب على السعودية .

لا شك ان اغتيال علوش من قبل موسكو مبني على معلومات دقيقة ، نتيجة اختراقات امنية ، كانت متوقعة منه بسبب كثرة العداءات . هذه الشخصية جمعت الكثير من التناقضات التي غالبا ما انهكت المعارضة واقطابها . شخصية معروفة في محيطها المباشر في مدينة دوما  ، ابن للشيخ عبدالله علوش ، احد اوجه السلفية في الغوطة الشرقية . هكذا ترعع زهران في بيت متدين سلفي ، وهكذا ورث عن ابيه موقعه بعد دراسة الشريعة في دمشق والمملكة العربي السعودية . نشاطه الدعوي السياسي ادى به الى سجن صيدنايا المشهور وتم اطلاق سراحه في بدايات الانتفاضة السورية . من الارجح ان تاريخه وسجنه وسراحه المفاجىء من السجن نسجوا في مخيلة الكثيرين روايات حول تقاطعه ، كباقي الشخصيات الراديكالية الاسلامية ، مع النظام . روايات تناقلتها قيادات المعارضة في الداخل والخارج ، لا سيما من قبل  قدامى الحزب الشيوعي واصحاب التوجه الناصري والقومي ، فقط لتبرير مقولة ان الاسلاميين الرادكاليين هم من انتاج النظام بالمعنى المخابراتي . 

اذا كان علوش موضع جدل فانه فرض نفسه زعيما ، الاقوى ، في الغوطة الشرقية ، منطقة استقطاب حزبي قبل عام ٢٠١١ ، وبعده ، حيث قاد بقدرة تكتيكية عالية ، اهم فصيل عسكري في المنطقة وخارجها ، والاكثر تنظيما وعتادا ومالا . لقد بات لوزنه العسكري  ثقلا سياسيا يؤخذ في الاعتبار ، يتزامن مع الاقتناع العام بان اية تسوية  سياسية  لا يمكن ان تمر من دون المحاربين وتنظيماتهم . ضعف وزن المعارضة السياسية في الخارج والداخل عزز من مكانة علوش ، المدعوم بقوة من السعودية التي امسكت بملف المعارضة السورية منذ بداية الاحتلال الروسي لسوريا . 

في هذاالسياق ، يأخذ اغتيال علوش معناه ، انها ضربة من قبل بوتين  لتصاعد الدور السعودي في سوريا وتقاطعه مع الدور التركي ، بل تجاه التنسيق بين الرياض وانقرة منذ نيسان الماضي ، كما دلت على ذلك  الزيارة المفاجئة لعلوش الى اسطنبول للقاء مع قيادة فصائل اخرى ، منها ما هو محسوب على الاخوان وممول من قطر ومدعوم تدريبا وسلاحا من الحكومة التركية . بعدها ذهب علوش الى الرياض وانتقل عبر الاردن الى الغوطة ، وقيل حينها اننا امام مرحلة جديدة للتحضير ،" اذا لزم الامر "، الى خوض معركة دمشق . 

هكذا فهمت موسكو تصريحات وزير الخارجية السعودي ، عماد الجبير ، الذي صرح اكثر من مرة موجها كلامه مباشرة الى الروس ، " اما ان يخرج الاسد من السلطة سلميا او بقوة السلاح " . ان انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية ( من الداخل والخارج مع حضور مميز للفصائل  المسلحة وشخصيات تمثل فئات مهنية واجتماعية ) وتشكيل الوفد المفاوض ،  اغضب بوتين الذي لم يتمكن من فرض معارضته ولم يستطيع تأخير المؤتمر لحين انتهاء الاردن من وضع لائحة باسم المنظمات المحسوبة على الارهاب . بل ان وزارة الدفاع الروسية استبقت المؤتمر بالقول ان الاردن سلم موسكو لائحة ب ١٦٠ منظمة وفصيل ارهابي ! محاولة لا يمكن الا ادراجها في اطار التشكيك في مؤتمر الرياض وبشرعيته . 

الى اين ستصل المواجهة السعودية التركية من جهة والروسية الايرانية من جهة اخرى ؟ ان اغتيال علوش هو تحدي للسعودية واستفزاز في الوقت ذاته  لتركيا بعد اسقاط السوخوي . لكن قد يكون هذا الاغتيال ،  في سياق التفاهمات التي حصلت لاخراج النصرة وداعش من احياء ومناطق متاخمة لدمشق ، جزء من مخطط لاستدراج معركة دمشق وفرض تسوية طالما تمنتها موسكو من فترة طويلة . الكرملين ليس بوارد حل سياسي على قاعدة  "جنيف ١" . هذا ما فهمته باريس التي فرض عليها قبول القرار الاخير في مجلس الامن ، الذي اعتبرته هدية من واشنطن لموسكو من دون اي مبرر غير رغبة اوباما في تسريع الحل السياسي كما حصل تجاه الملف النووي مع ايران . 

لقد دخل الملف السوري مرحلة خطرة ، برغبة من موسكو وتخطيط ، لفرض حل تحت ضغط السلاح ، خارج اطار جنيف ١ ، انها لعبة دقيقة تعتمد على مدى صلابة العلاقات التركية السعودية ، ومدى قدرتهما على فرض وقائع على الارض لحمل واشنطن على التحرك في الاتجاه الصحيح . 

الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

انفضاح خلل المعارضة السورية


يجب على المعارضة السورية ، بكل اطيافها ، السياسية او اصحاب الرأي فيها ، ان يتوقفوا عن تقديم المعادات للغرب على ضرورة التعاون معه . قضية اللاجئين السوريين اظهرت اما تخاذل السياسي وغيابة عن المسرح او هجوم اصحاب الرأي من كل صوب وجهة وتفريغ سمهم ومفاهيمهم البائدة واثارة الصدمات التاريخية . يجب القبول بالامر الواقع بان المعارضة السورية ، بعد اكثر من اربعة سنوات من عمر الانتفاضة ، لم تتمكن من التأثير على الرأي العام الغربي ، ولن تؤثر على هذا الوضع  مع  الممارسات ذاتها . يجب الاقتناع بان النقاش حول الوضع السوري في اوروبا ، لاسيما في فرنسا ،  يأخذ طابع نقاش اوروبي ـ اوروبي ، له اسباب اخرى ودوافع لا صلة له بالوضع السوري ، الا لان هذا الوضع اجج النقاش وفرضه على شكل حالة طوارىء استثنائية يجب حلها . اي ان النقاش اوروبي مزمن يثار ايضا وبالشكل ذاته تجاه اي بلد اخر له نفس مواصفات  الوضع السوري وان كان اقل دراماتيكية . 

في فرنسا استمر عمل المعارضة محصورا في صفوفها وجزئيا مع المجتمع الفرنسي وبشكل خاص مع اطراف اليسار ، ربما لان القيمين على العمل السياسي السوري هم اقرب لليسار الشيوعي من يسار اخر ، او لان الوضع السوري كما ركزت عليه المعارضة ظل يطرح من قبلها على كإشكال نظري  ، محصور في نطاق ضيقو في نقاشات مبنية على الاقناع التثقيفي : مسألة غرب وشرق ، عرب واوروبيين .  في حين كان المطلوب تقديم طرح سياسي يربط بين اهداف المعارضة والمسائل التي تتعلق بالسياسة الخارجية الفرنسية تجاه منطقة مهمة . 

هناك رأي عام اوروبي لاتتفاعل معه المعارضة ولا تحترم القيم التي تحرك هذا الرأي . في هذا السياق ان موقف السياسي او المثقف السوري من مجلة شارلي ابدو لا معنى له ولا يدخل من قريب او من بعيد في اي عمل سياسي بل ان غالبية هذه المواقف تضر تجاه مأساة الشعب السوري . انها ملهات لمن لهم رغبة بالتموضع الاعلامي السمج والمصلحي . لا يمكن التوجه للرأي العام على اساس انه مع الشعب السوري بالفطرة ، او انه مجبر لان يؤيد هذه القضية لانها محقق يجب ان تلقى تأييدا اوتوماتيكيامن قبل كل من هم ضد الديكتاتورية ، والا فهو متهم بانه مع الديكتاتورية  . 

النقاشات الجارية حاليا في اوروبا حول سوريا يقسم بين الاوروبيين وفي داخل كل بلد اوروبي لانها مفروضة في اطار امرين ، الاول عبر ازمة اللاجئين ، التي هي قضية استراتيجية اوروبية خارج الوضع الآني للسوريين ، والثاني التدخل العسكري الروسي في سوريا وامكانية تطوره الى ازمة دولية . من الواضح ان الازمة السورية باتت خارج قدرات المعارضة التي هي معارضات تابعة للفاعلين الخارجيين . يجب الاستيقاظ قبل فوات الاوان .    

السبت، 22 أغسطس 2015

في داعش والتاريخ

في داعش والتاريخ 

قتل داعش لعالم الاثار السوري خالد الاسعد ، والتنكيل بجثته قرب اثار تدمر التي احبها وحافظ عليها كمن يعتني بعائلته ، يعطي رمزية اكبر لكل ما قامت به داعش من هدم لاثار ، هي اكثر من اثار ، هي اكثر من ذاكرة ، ذاكرة بلد وشعب ، هي سيرورة ثقافية لحاضر يتكون ببطىء : لم تنته بعد صياغة اختلافاتنا التاريخية حاضرا يجمعنا . ربما هذا هو هدف داعش .

داعش باتت ايضا رمزاً . لم يعد أحد ُيذكرنا بأنها " دولة الخلافة في العراق وبلاد الشام " . اختفى المضمون ومعه الصراع الفكري ـ التاريخي حول المُسمى وشروط استخدامه، لم يبق غير داعش وما ترمز له . يكفي ذكرها حتى تتدافع الاحداث بعظمتها ، بروعتها ودراميتها .

داعش  ، بكثافتها الدرامتيكية ، رَمز لم يظهر بهذا القدر من الفجاجة ، عاكسا وضع ثقافي وسياسي وانساني . انها بالطبع وفي هذا الظرف المأساوي لشعب سوريا ، لا تختلف عن ما يقوم به نظام عائلة الاسد من قتل وتدمير وتفكيك لمجتمع بكل تكويناته الثقافية التاريخية . داعش اضافت بُعدا تاريخيا للحدث ، انها تعيد للوحشية ضروريتها في اعادة بناء للتاريخ والحاضر في آن معا . نوع من مسح الموجود ، اثار وناس وعادات وتقاليد وقيم . 

تعود هذه الاضافة الداعشية لما يقوم به بشار الى انها استمرارية لكثير مما عايشناه من ثقافة ومن ثقافة سياسية على قاعدة انتاج وعي لا يخدم الا الآني ، مستلزمات السياسة ، اي السلطة . هذه الاخيرة هي التي اعتدنا عليها كمنظم لهذا الوعي  ، كمنتج ، باللغة والمفاهيم ، لهذا الوعي الجمعي ، بخطابيته ومرجعيته ( شرعينيته ) . الناصرية ، البعثية ، افكار سخيفة وسهلة ،  " مبسطة " ، "مسطحة " ، مجتزئة من ثقافة الصحوة الاسلامية ، الذي يمثل الاخوان المسلمين الشكل الاكثر تكاملا من الناحية الفكرية ، ثقافة عايشت منذ نشآتها مراحل تفكك السلطة العثمانية الى بداية الحقبة الاستعمارية .  

في ظروف هذه النشآة ان المشترك بين الجميع هو الرأي القائل بتماثل الفضاء الثقافي والفضاء السياسي . ليكون هناك تماثل يجب ، حسب هذا الرأي ، ان يكون هناك بداية تاريخية ، اي ارجاع الكل المختلف الى واحد . يجب ان يكون الحاضر استمرارا لهذه البداية . هذا التفكير لا يقبل الا التجانس ولا يرى غيره . التمايز الوحيد الموجود بين الناصرية والبعثية من جهة والتيارات الاسلامية ، من جهة اخرى ، يدور حول اولوية العربي على الاسلامي بالنسبة للاولى والاسلامي على العربي للفئة الثانية . استراتيجيتان لقوى سياسية للتصدي لواقع يشكل الاختلاف والخليط اهم ميزاته . كلاهما يشتركان في  " ايديولوجية تعويضية " لماضي غابر . 

من هذا المنطلق ، يمكن اعتبار داعش ، برغم فجاجة وروعة ممارساتها ، استمرارية لنظرة الى البدايات ، نظرة لا تقبل الا المتجانس بالمطلق ، اي الواحد . 

الاثنين، 17 أغسطس 2015

في مذبحة دوما



المذبحة التي ارتكبها  طيران النظام السوري ، في ١٥ اب ،  في دوما ، ريف دمشق ، هي ليست الاولى ولا الاخيرة ، لكنها تأتي في ظرف خاص ، قبل ساعات قليلة من انتهاء هدنة دامت ٧٢ ساعة في مدينة الزبداني ومحيطها ، هدنة تمت بين ايران  وابناء المدينة . الذين تمكنوا خلال شهرين من افشال كل العمليات العسكرية التي قامت بها ميليشيات طهران مدعومة من قوات الاسد . وتأتي بعد ايام معدودة من حركة ديبلوماسية دامت اكثر من اسبوعين  قادتها موسكو بدعم ( غير مشبوه ) من واشنطن ، شاركت بها السعودية وايران ، وقد اثارت العديد من التسريبات من دون تقدم يذكر غير ان ايران اصبحت تلعب دور في حراك لم يبدء والكل يريده من دون قناعة .
دوما عاشت العديد من المجازر ، ويبدوا ان الكثيرين فقدوا ذاكرتهم ، لاسيما العواصم الكبرى ، ان دوما المدينة كانت مخبرا للقنابل الكيميائية ، ومازالت تعيش بين فترة واخرى على وقع قنابل الكلور عندما لا تتساقط القنابل الفراغية ، كما حدث البارحة . لكن اذا بات سكوت واشنطن وباريس ولندن وبرلين عادة في ما يخص سوريا ، كيف يمكن تفسير سكوت الامم المتحدة ؟ ما هو رأي مندوبها الخاص لسوريا دي ميستورا ، الذي على ما يبدوا جال شرقا وغربا واختبر كل ادوات ثقافته الارستقراطية فقط لتحسين شبكة علاقاته ، التي لحسن حاله ، باتت تشمل اقطاب السلطة الايرانية !


في مثل هذا السكوت المتواطىء مع الاسد تفهم ردة فعل السوريون المعارضون للديكتاتور ، ويفهم كتاب الرأي السوريون او ذوي الحضور المعنوي منهم . قد يكون لديهم حق عندما لا يرون تنديدا بمذبحة يتعرض لها الابرياء فيما ترتفع الصيحات دفاعا عن " مسيحي الشرق " او اكراده ، كما يمكنا التساؤل عن سكوت الشارع " المسلم " الذي لا يتهيج الا لكتابة محرضة ضد نبي المسلمين . ولكن قد يكون ايضا من الضروري  التساؤل عن اسباب هذا التواطىء القاتل مع المجرم . 


 التساؤل ضروري ولكن قد لا يكف من دون الابتعاد عن الخطاب السهل الذي ، كما جرت العادة ، لا يثير الا الحقد ضد الاجنبي ( الغربي عموما ) ، وهي طريقة استخدمت على السواء من الانظمة القاتلة ومن الضحية .  اثارة المشاعر هي ممارسة سياسية ايديولوجية  مارسها النظام السوري واستعملتها ايران وساهمت في نمو قوى الظلام من داعش الى النصرة ومشتقاتهما داعش ، لان مثل هذا الخطاب يجيش المشاعر على حساب الوعي ويحرض دائما على عدو مفترض . 
بات التساؤل ضروري ايضا لانه وبعد ٥ سنوات على القتل والدمار بات واضحا ان الخطاب الذي مارسته المعارضة السورية ثبت انه غير ناجح ، لا على الصعيد الدولي ( بقي في اطار ضيق من الرأي العام ) ولا على صعيد السوري حيث ما زال هذا الخطاب يغذي الافكار التي يستخدمها كل اطياف المعارضة السياسية الاسلامية ، من دون اي فرق يذكر .

يكشف الظرف السياسي لمذبحة دوما اخطاء سياسية كثيرة ارتكبتها المعارضة ، اقلها ان النظام السوري يشعر بهامش تحرك أكبربرغم الضربات التي تلقاها : الدعم الايراني له مستمر بل انه يتزايد اضطرادا مع ازدياد نفوذ طهران ، واستمرار موسكو بلعب الورقة السورية  (  ٦ طائرات ميغ ٣١  هدية للاسد ) رافعة في وجه واشنطن وفي توسع شبكة علاقاتها الشرق اوسطية . 

خطىء المعارضة انها تركت الزبداني محاصرة وترك اهلها الدفاع بمفردهم في وجه ايران والنظام السوري ، ولم تتم اي محاول جدية لفتح معركة في ريف دمشق تكون بمستوى تسمح للزبداني بعدم الذهاب الى التفاوض من موقع ضعف يفرض عليها ما لا يمكن قبوله على الاطلاق الا في حال المساهمة في مخطط ايران للمنطقة . 

الخطىء الثاني هو تهافت المعارضات فردا فردا الى موسكو ، ومن لم يتهافت جاءه بوغدانوف الى مكان اقامته  . جاء التهافت عقب قرآة خاطئة للحراك الديبلوماسي الذي قادته موسكو ودعمته واشنطن لاسباب عديدة منها لا شك رغبة ادارة اوباما تلزيم بوتين الملف السوري رفعا للعتب ولعدم استخدام معارضيه لهذا الملف في نقد سياسته الشرق اوسطية . بالطبع يرغب اوباما اعطاء طهران دور لاسيما الان بعد الاتفاق النووي كي يدعم اتفاقه بوجه المعارضين بالقول لقد تغير سلوك ايران ! ابتسامة محمد جواد ظريف وزياراته في المنطقة كانت مدروسة . 

يدرك النظام السوري انه يمكنه الاستمرار في سياسته الهادفة الى دفع كل الاطراف الى مفاوضات معه ، الى فرض اجندته ، وهو مدرك بان المحور الداعم له لم يغير من موقفه ، بعكس كل الاشاعات حول تخلي بوتين عنه او بدء طهوان في تنفيذ الخطة ب . القتل الجماعي والمذابح المتكررة هي جزء لا يتجزء من استراتيجية اعتمدها الاسد من البداية ، وهي لا تتناقض بتاتا مع سياسة تغذية تمدد المنظمات الاسلامية الراديكالية ، بل العكس ، يبدوا ان ما يسمى الحرب على الارهاب بات على رأس اجندة المفاوضات ، ان لم يكن بمستوى وجود الاسد في المرحلة الانتقالية المنشودة . 

لا شك ستكون هناك مجازر اخرى مثل ما حصل في دوما .