قد يكون من الصعب على سعد الحريري اعادة ترميم علاقاته بالاطراف المسيحية الوازنة . ولكن لا يمكنه الاستمرار في الربط بين استعادة زعامته وطنيا وعداءه للتحالف المسيحي . هذا الامر لايستقيم لانه في النهاية سيكون زعيم طائفة لا اكثر . هذا ماتريده الشيعية السياسية .
في السياسة الفرص لا تتجدد ولكل فرصة خصوصيتها، لذلك يهتم السياسي بها ويحطاط لها كونها لا تحدد فقط مدى قدرته على اخذ مبادرة بل لانها تدخل في تحديد حجم قدراته وفعاليتها . في هذا السياق عندما خرج سعد الحريري من قصر الاليزيه ، بعد لقاء هام بالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ، وصرح مدى تمسكه بمرشحه للرئاسة في لبنان مطالبا ميشال عون وحزب الله بالحضور الى البرلمان لانتخاب رئيس ، كان الشعور السائد لدى الفرنسيين ان الحريري لم يفقد فقط فرصة للابقاء على الابواب مفتوحة لاكثر من حل ، انما دفع الطرف الفرنسي الى مزيد من التريث فيما يخص الازمة اللبنانية . باختصار لم تكن الاجواء مريحة لا خلال اللقاء ولا بعده .
هل هدف زعيم المستقبل وقف الاندفاعة الفرنسية باتجاه ايجاد حل او التعاون في تقريب وجهات النظر بين الاطراف اللبنانية من جهة وبين الاطراف الاقليمية من جهة اخرى ؟ توجد قناعة ان الحريري غير متمسك ، في الوقت الحالي ، بالخروج من لعبة التصفير .
يعرف الرئيس الفرنسي دقة الوضع اللبناني والحساسيات الشخصية التي تلعب دورا في تعقيد الحياة السياسية . لذلك لم تكن باريس مرتاحة للتسريبات المغرضة في اليوم الثاني للقاء البطريرك بشارة الراعي بالرئيس هولاند . لا تجاه ما سرب عن " مبادرة " من البطريرك ، ولا لجهة جعل باريس بشكل غير مباشر عرابة لزيارة فرضية قام بها الراعي الى حسن نصرالله .
الاهم بالنسبة للرئاسة الفرنسية هو اعادة الثقة بين الاطراف اللبنانية على الاقل فيما يخص قضية سد الفراغ الرئاسي . الكثير من التعقيدات الحاصلة في هذا الملف اتت من فقدان الثقة لدى طرف وازن لبنانيا تجاه لاعب مركزي نتيجة تراكمات والكثير من سوء الفهم لخطوات ليست كلها مدروسة وبعضها فيه الكثير من عدم الخبرة او وجود رغبة لدى شخصيات في خربطة العلاقات لغايات ليست دائما سليمة .
عودة الثقة ليست عملية " تبويس لحى " ، وليست العودة الى البداية . انها تقديم مبدء التوافق كاولوية فعلية وذلك عبر خطوات من شأنها التوصل الى نقطة انطلاق لعملية توافق على حل لمسألة . كانت فرنسا ، ومازالت ، تعتبر ان التوافق على شخصية من خارج الثنائي المطروح للرئاسة ممكن في حال حصل تقدم في شأن قانون الانتخابات التشريعية واحترام مبدء المناصفة في التعينات . من شأن ذلك ، دائما حسب المسؤولين الفرنسيين ، ان يمهد الطريق الى حوار جدي في شآن سد الفراغ الرئاسي .
عودة الثقة ترتبط ايضا بقدرة الاطراف على تبديد الافكار التي تغذي المواجهة الحاصلة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية ، وهي مواجهة ، مهما حاول الحريري تخفيف دوره فيها، بين المستقبل وتحالف مسيحي يعتبر انه يمثل ثقلا لا يمكن تجاوزه بسهولة . الحروب الصغير ، بالطبع حروب اعلامية ، التي يديرها متزلفين واصحاب غايات ، بهدف التقليل من ثقل هذا التحالف عبر استخدام شخصيات مستقلة ليس من غايتها لعب دور لحساب هذا الفريق ضد ذاك ، لا يخدم ابدا مبدء تقديم التوافق كأولوية للوصول لحلول ترضي الجميع . الممارسات التي نعيشها الان تعيد الى الاذهان اجواء الطائفية التي هيمنت على فترة الحرب وابان الاحتلال الاسدي للبنان .
بالطبع ، يشعر الحريري ان زعامته مهددة . ومن الممكن جدا انه اعتبر خطوة سمير جعجع ، في هذا الظرف ( بعد عودته من السعودية والتسويق لمرشحه سليمان فرنجية عربيا ودوليا ) خطوة مدروسة وموجهة ضد زعامته التي تحتاج لعملية ترميم . كثيرين ممن لهم دور في قيادات المستقبل لعبوا بتأجج هذه المشاعر ، المشروعة من دون ادنى شك ، كون الاحداث تسارعت ولم يتمكن الحريري من وضعها في سياقها . الوضع في لبنان متغير ، والقوى التي تحالفت ضد السوري تريد تغير شروط التحالف في ظرف جديد ترى فيه ان الوضع الاقليمي المتأزم وانعكاسه على لبنان يتطلب رؤية مختلفة للتحالفات ، ليس تغيرها انما الخروج من مبدء فرض رؤية احادية على الحليف .
التحالف المسيحي امر واقع لايمكن تجاوزه ولا يمكن شيطنته فقط لانه غير مطواع لرغبات مر الزمن عليها . كان من الاسهل ان تستعاد الثقة من ان تؤجج المشاعر التي في الواقع هي مشاعر موجودة كالجمر تحت الرماد .
كان من الاجدر على تيار المستقبل اخذ المبادرة بجدية ووضع ثقلهم في وجه نبيه بري ومناوراته العقيمة والضغط باتجاه مشروع قانون للانتخابات التشريعية تفتح مجالا للتفاهم بين قوى تشترك في رؤية مستقبلية . حصل العكس ترك نبيه بري يتمختر على الساحة يهدد ويفرض ويحدد ما يريد فارضا لعبة هي في النتيجة النهائية فرط التحالفات لتتعزز شروط الشيعية السياسية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق