الاثنين، 17 أغسطس 2015

في مذبحة دوما



المذبحة التي ارتكبها  طيران النظام السوري ، في ١٥ اب ،  في دوما ، ريف دمشق ، هي ليست الاولى ولا الاخيرة ، لكنها تأتي في ظرف خاص ، قبل ساعات قليلة من انتهاء هدنة دامت ٧٢ ساعة في مدينة الزبداني ومحيطها ، هدنة تمت بين ايران  وابناء المدينة . الذين تمكنوا خلال شهرين من افشال كل العمليات العسكرية التي قامت بها ميليشيات طهران مدعومة من قوات الاسد . وتأتي بعد ايام معدودة من حركة ديبلوماسية دامت اكثر من اسبوعين  قادتها موسكو بدعم ( غير مشبوه ) من واشنطن ، شاركت بها السعودية وايران ، وقد اثارت العديد من التسريبات من دون تقدم يذكر غير ان ايران اصبحت تلعب دور في حراك لم يبدء والكل يريده من دون قناعة .
دوما عاشت العديد من المجازر ، ويبدوا ان الكثيرين فقدوا ذاكرتهم ، لاسيما العواصم الكبرى ، ان دوما المدينة كانت مخبرا للقنابل الكيميائية ، ومازالت تعيش بين فترة واخرى على وقع قنابل الكلور عندما لا تتساقط القنابل الفراغية ، كما حدث البارحة . لكن اذا بات سكوت واشنطن وباريس ولندن وبرلين عادة في ما يخص سوريا ، كيف يمكن تفسير سكوت الامم المتحدة ؟ ما هو رأي مندوبها الخاص لسوريا دي ميستورا ، الذي على ما يبدوا جال شرقا وغربا واختبر كل ادوات ثقافته الارستقراطية فقط لتحسين شبكة علاقاته ، التي لحسن حاله ، باتت تشمل اقطاب السلطة الايرانية !


في مثل هذا السكوت المتواطىء مع الاسد تفهم ردة فعل السوريون المعارضون للديكتاتور ، ويفهم كتاب الرأي السوريون او ذوي الحضور المعنوي منهم . قد يكون لديهم حق عندما لا يرون تنديدا بمذبحة يتعرض لها الابرياء فيما ترتفع الصيحات دفاعا عن " مسيحي الشرق " او اكراده ، كما يمكنا التساؤل عن سكوت الشارع " المسلم " الذي لا يتهيج الا لكتابة محرضة ضد نبي المسلمين . ولكن قد يكون ايضا من الضروري  التساؤل عن اسباب هذا التواطىء القاتل مع المجرم . 


 التساؤل ضروري ولكن قد لا يكف من دون الابتعاد عن الخطاب السهل الذي ، كما جرت العادة ، لا يثير الا الحقد ضد الاجنبي ( الغربي عموما ) ، وهي طريقة استخدمت على السواء من الانظمة القاتلة ومن الضحية .  اثارة المشاعر هي ممارسة سياسية ايديولوجية  مارسها النظام السوري واستعملتها ايران وساهمت في نمو قوى الظلام من داعش الى النصرة ومشتقاتهما داعش ، لان مثل هذا الخطاب يجيش المشاعر على حساب الوعي ويحرض دائما على عدو مفترض . 
بات التساؤل ضروري ايضا لانه وبعد ٥ سنوات على القتل والدمار بات واضحا ان الخطاب الذي مارسته المعارضة السورية ثبت انه غير ناجح ، لا على الصعيد الدولي ( بقي في اطار ضيق من الرأي العام ) ولا على صعيد السوري حيث ما زال هذا الخطاب يغذي الافكار التي يستخدمها كل اطياف المعارضة السياسية الاسلامية ، من دون اي فرق يذكر .

يكشف الظرف السياسي لمذبحة دوما اخطاء سياسية كثيرة ارتكبتها المعارضة ، اقلها ان النظام السوري يشعر بهامش تحرك أكبربرغم الضربات التي تلقاها : الدعم الايراني له مستمر بل انه يتزايد اضطرادا مع ازدياد نفوذ طهران ، واستمرار موسكو بلعب الورقة السورية  (  ٦ طائرات ميغ ٣١  هدية للاسد ) رافعة في وجه واشنطن وفي توسع شبكة علاقاتها الشرق اوسطية . 

خطىء المعارضة انها تركت الزبداني محاصرة وترك اهلها الدفاع بمفردهم في وجه ايران والنظام السوري ، ولم تتم اي محاول جدية لفتح معركة في ريف دمشق تكون بمستوى تسمح للزبداني بعدم الذهاب الى التفاوض من موقع ضعف يفرض عليها ما لا يمكن قبوله على الاطلاق الا في حال المساهمة في مخطط ايران للمنطقة . 

الخطىء الثاني هو تهافت المعارضات فردا فردا الى موسكو ، ومن لم يتهافت جاءه بوغدانوف الى مكان اقامته  . جاء التهافت عقب قرآة خاطئة للحراك الديبلوماسي الذي قادته موسكو ودعمته واشنطن لاسباب عديدة منها لا شك رغبة ادارة اوباما تلزيم بوتين الملف السوري رفعا للعتب ولعدم استخدام معارضيه لهذا الملف في نقد سياسته الشرق اوسطية . بالطبع يرغب اوباما اعطاء طهران دور لاسيما الان بعد الاتفاق النووي كي يدعم اتفاقه بوجه المعارضين بالقول لقد تغير سلوك ايران ! ابتسامة محمد جواد ظريف وزياراته في المنطقة كانت مدروسة . 

يدرك النظام السوري انه يمكنه الاستمرار في سياسته الهادفة الى دفع كل الاطراف الى مفاوضات معه ، الى فرض اجندته ، وهو مدرك بان المحور الداعم له لم يغير من موقفه ، بعكس كل الاشاعات حول تخلي بوتين عنه او بدء طهوان في تنفيذ الخطة ب . القتل الجماعي والمذابح المتكررة هي جزء لا يتجزء من استراتيجية اعتمدها الاسد من البداية ، وهي لا تتناقض بتاتا مع سياسة تغذية تمدد المنظمات الاسلامية الراديكالية ، بل العكس ، يبدوا ان ما يسمى الحرب على الارهاب بات على رأس اجندة المفاوضات ، ان لم يكن بمستوى وجود الاسد في المرحلة الانتقالية المنشودة . 

لا شك ستكون هناك مجازر اخرى مثل ما حصل في دوما . 


ليست هناك تعليقات: