السبت، 26 ديسمبر 2015

موسكو ولعبة الهاوية

تهيمن حاليا نظرة تحليلية مؤامرتية على مخابراتية حول  الوضع السوري ، الدائم التغير والمتجدد . قد يلعب دورا في ذلك عدم وضوح في استراتيجية روسيا . كما يعزز ذلك  المركزية المطلقة للقرار في يد بوتين صاحب القرار النهائي ، كما هو واضح لغالبية متابعي الوضعي الروسي . يقول التحليل المهيمن ان هناك اكثر من تقاطع بين مصالح اسرائيل وروسيا في سوريا  ، بل قد يوجد نوع من التحالف غير المعلن تجاه ما يجب ان يستقر عليه الوضع السوري . مثل هذه النظرة هي المعتمدة اليوم لتفسير كيفية استرشاد موسكو الى مقر اجتماع قيادات " جيش الاسلام " بحضور زعيم التنظيم ، زهران علوش ، الرجل الاكثر جدلا بين جميع اطراف المعارضة السورية ، وهو الذي يمسك بقوته التنظيمية والعسكرية ريف دمشق ، والغوطة بالتحديد ، والمحسوب ، من دون اي تفصيل ، على المملكة العربية السعودية .
 
يقول التحليل ان موسكو استدلت الى اجتماع قادة " جيش الاسلام " عبر المخابرات الاسرائلية ، في اطار تبادل مصلحي ، القنطار مقابل علوش ! . خارج السياق الزمني للحادثتين ، ليس هناك اي دليل على صحة هذه المعادلة ، التي لاشك ، كما تجري العادة ، انها تفي بالحاجة  لتفسير ما حصل . القنطار مقابل علوش ؟ معادلة لا معنى لها اذا اخذنا في الاعتبار حجم الشخصيتين على الساحة السياسية والعسكرية ، هذا اولا ، وثانيا ، علوش بموقعه السياسي والعسكري وبقدراته في موقع جغرافي استراتيجي له اهمية خارج سياق العلاقة الاسرائلية الروسية . علوش قائد لقوى عسكرية لها ثقلها  في موازين القوى بين المعارضة السورية والنظام . تزداد اهميته حاليا في اجواء المفاوضات لايجاذ حل سياسي للازمة السورية ، وتتعزز كونه محسوب على السعودية .

لا شك ان اغتيال علوش من قبل موسكو مبني على معلومات دقيقة ، نتيجة اختراقات امنية ، كانت متوقعة منه بسبب كثرة العداءات . هذه الشخصية جمعت الكثير من التناقضات التي غالبا ما انهكت المعارضة واقطابها . شخصية معروفة في محيطها المباشر في مدينة دوما  ، ابن للشيخ عبدالله علوش ، احد اوجه السلفية في الغوطة الشرقية . هكذا ترعع زهران في بيت متدين سلفي ، وهكذا ورث عن ابيه موقعه بعد دراسة الشريعة في دمشق والمملكة العربي السعودية . نشاطه الدعوي السياسي ادى به الى سجن صيدنايا المشهور وتم اطلاق سراحه في بدايات الانتفاضة السورية . من الارجح ان تاريخه وسجنه وسراحه المفاجىء من السجن نسجوا في مخيلة الكثيرين روايات حول تقاطعه ، كباقي الشخصيات الراديكالية الاسلامية ، مع النظام . روايات تناقلتها قيادات المعارضة في الداخل والخارج ، لا سيما من قبل  قدامى الحزب الشيوعي واصحاب التوجه الناصري والقومي ، فقط لتبرير مقولة ان الاسلاميين الرادكاليين هم من انتاج النظام بالمعنى المخابراتي . 

اذا كان علوش موضع جدل فانه فرض نفسه زعيما ، الاقوى ، في الغوطة الشرقية ، منطقة استقطاب حزبي قبل عام ٢٠١١ ، وبعده ، حيث قاد بقدرة تكتيكية عالية ، اهم فصيل عسكري في المنطقة وخارجها ، والاكثر تنظيما وعتادا ومالا . لقد بات لوزنه العسكري  ثقلا سياسيا يؤخذ في الاعتبار ، يتزامن مع الاقتناع العام بان اية تسوية  سياسية  لا يمكن ان تمر من دون المحاربين وتنظيماتهم . ضعف وزن المعارضة السياسية في الخارج والداخل عزز من مكانة علوش ، المدعوم بقوة من السعودية التي امسكت بملف المعارضة السورية منذ بداية الاحتلال الروسي لسوريا . 

في هذاالسياق ، يأخذ اغتيال علوش معناه ، انها ضربة من قبل بوتين  لتصاعد الدور السعودي في سوريا وتقاطعه مع الدور التركي ، بل تجاه التنسيق بين الرياض وانقرة منذ نيسان الماضي ، كما دلت على ذلك  الزيارة المفاجئة لعلوش الى اسطنبول للقاء مع قيادة فصائل اخرى ، منها ما هو محسوب على الاخوان وممول من قطر ومدعوم تدريبا وسلاحا من الحكومة التركية . بعدها ذهب علوش الى الرياض وانتقل عبر الاردن الى الغوطة ، وقيل حينها اننا امام مرحلة جديدة للتحضير ،" اذا لزم الامر "، الى خوض معركة دمشق . 

هكذا فهمت موسكو تصريحات وزير الخارجية السعودي ، عماد الجبير ، الذي صرح اكثر من مرة موجها كلامه مباشرة الى الروس ، " اما ان يخرج الاسد من السلطة سلميا او بقوة السلاح " . ان انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية ( من الداخل والخارج مع حضور مميز للفصائل  المسلحة وشخصيات تمثل فئات مهنية واجتماعية ) وتشكيل الوفد المفاوض ،  اغضب بوتين الذي لم يتمكن من فرض معارضته ولم يستطيع تأخير المؤتمر لحين انتهاء الاردن من وضع لائحة باسم المنظمات المحسوبة على الارهاب . بل ان وزارة الدفاع الروسية استبقت المؤتمر بالقول ان الاردن سلم موسكو لائحة ب ١٦٠ منظمة وفصيل ارهابي ! محاولة لا يمكن الا ادراجها في اطار التشكيك في مؤتمر الرياض وبشرعيته . 

الى اين ستصل المواجهة السعودية التركية من جهة والروسية الايرانية من جهة اخرى ؟ ان اغتيال علوش هو تحدي للسعودية واستفزاز في الوقت ذاته  لتركيا بعد اسقاط السوخوي . لكن قد يكون هذا الاغتيال ،  في سياق التفاهمات التي حصلت لاخراج النصرة وداعش من احياء ومناطق متاخمة لدمشق ، جزء من مخطط لاستدراج معركة دمشق وفرض تسوية طالما تمنتها موسكو من فترة طويلة . الكرملين ليس بوارد حل سياسي على قاعدة  "جنيف ١" . هذا ما فهمته باريس التي فرض عليها قبول القرار الاخير في مجلس الامن ، الذي اعتبرته هدية من واشنطن لموسكو من دون اي مبرر غير رغبة اوباما في تسريع الحل السياسي كما حصل تجاه الملف النووي مع ايران . 

لقد دخل الملف السوري مرحلة خطرة ، برغبة من موسكو وتخطيط ، لفرض حل تحت ضغط السلاح ، خارج اطار جنيف ١ ، انها لعبة دقيقة تعتمد على مدى صلابة العلاقات التركية السعودية ، ومدى قدرتهما على فرض وقائع على الارض لحمل واشنطن على التحرك في الاتجاه الصحيح . 

ليست هناك تعليقات: